وقال الصادق ( ع ) : « من مات ولم يحج حجة الاسلام لم يمنعه من ذلك حاجة يجحف « 1 » به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا » « 2 » والاخبار في فضل الحج والعمرة أكثر من أن تحصى وهي مذكورة في مواضعها مع كيفية أعمالها .
وأما بيان السرّ فيها فاعلم أنه لا وصول إلى اللّه تعالى إلا بالتنزه عن الشهوات والكف عن اللذات والاقتصار على الضّروريات فيها والتجرد للّه تعالى في جميع الحركات والسّكنات ، ولأجل هذا انفرد الرّهابين « 3 » في الملل السالفة عن الخلق وانحازوا إلى قلل الجبال وآثروا التوحش عن الخلق لطلب الانس باللّه ، فتركوا اللّذات الحاضرة وألزموا أنفسهم المجاهدات الشّاقة طمعا في الآخرة وأثنى اللّه تعالى عليهم في كتابه فقال :
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ
« 4 » وقال :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
« 5 » .
فلما اندرس ذلك وأقبل الخلق على اتباع الشهوات وهجروا التجرد لعبادة اللّه وفتروا عنها بعث اللّه تعالى محمدا ( ص ) لاحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين في سلوكها فسأله أهل الملل عن الرهبانية والسّياحة في دينه فقال ( ص ) : ابدلنا بها الجهاد والتكبير على كل شرف قيل : يعني الحج ، وسئل عن السّائحين ، فقال : هم الصائمون .
فأنعم اللّه على هذه الأمة بأن جعل الحجّ رهبانية لهم ، فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه ، ونصبه مقصدا لعباده ، وجعل ما حواليه حرما لبيته ، وتفخيما لأمره ، وجعل عرفات كالميدان على فناء حرمه ، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وقطع شجره ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق ، ومن كلّ أوب سحيق « 6 » شعثاء غبراء متواضعين لربّ البيت ومستكينين له خضوعا لجلاله واستكانة لعزته مع الاعتراف بتنزّهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ، ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبودّيتهم وأتم في اذعانهم وانقيادهم .
هامش
( 1 ) أجحف به الفاقة : أفقرته الحاجة . ق .
( 2 ) الدعائم : ج 1 ص 288 وثواب الأعمال : ص 281
( 3 ) الراهب جمع رهابين . المنجد .
( 4 ) سورة الحديد : آية 27
( 5 ) سورة المائدة : آية 82
( 6 ) جاء وامن كل أوب معناه من كل مرجع أي من كل فج وسحق المكان فهو سحيق مثل بعد بالضم فهو بعيد وزنا ومعنى كذا عن المصباح .