الصلاة ، ولذلك شرطنا ذلك في صوم الخصوص دون العموم .
وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدّنية والأفكار الدّنيوية وكفه عمّا سوى اللّه بالكلية ، ويحصل الفطر في هذا الصّوم بالفكر فيما سوى اللّه واليوم الآخر وبالفكر في الدّنيا إلا دنيا تراد للدين ، فان ذلك زاد الآخرة وليس من الدّنيا .
قال أرباب القلوب : من تحركت همّته بالتّصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة فانّ ذلك من قلة الوثوق بفضل اللّه وقلة اليقين برزقه الموعود ، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقرّبين .
وفي مقابلها من يستكثر من الحلال وقت الافطار بحيث يمتلي فورد : ما من وعاء أبغض إلى اللّه من بطن ملىء من حلال ، وكيف يستفاد من الصوم فهر عدو اللّه وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره ، وربّما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات بأن يذخر جميع الأطعمة لشهر رمضان ، فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر ومعلوم أنّ مقصود الصوم الخوي « 1 » وكسر الهوى لتقوي النفس على التقوى ، وإذا دفعت المعدة ضحوة النهار إلى العشاء حتّى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها .
فروح الصّوم وسرّه « 2 » تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في القود إلى الشرور ، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم ، وأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلة فلم ينتفع بصومه ولا يخف عليه تهجده .
هامش
( 1 ) الخوي خلو الجوف من الطعام ، ق . )
( 2 ) قال في جامع السعادات : والحاصل ان روح الصوم وسره والغرض الأصلي منه التخلق بخلق من اخلاق اللّه تعالى اعني الصمدية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بقدر الامكان ، وهذا انما يحصل بتقليل الاكل عما يأكله في غير وقت الصوم ، فلا جدوى لمجرد تأخير اكله وجمع اكلتين عند العشاء وقال فيه أيضا :
ينبغي لكل صائم ان يكون قلبه بعد الافطار مضطربا معلقا بين الخوف والرجاء ، إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين وليكن الحال كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها .
روي أن الامام أبا محمد الحسن المجتبى ( ع ) مر بقوم يوم العيد وهم يضحكون فقال : ان اللّه جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته ، فسبق أقوام ففازوا ، وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون ، وخاب فيه المبطلون ، أما واللّه لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن باحسانه والمسئ عن إساءته .