الفصل السادس في علم الكلام
وأما علم الكلام فحاصل ما يشتمل عليه من الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة ، وإمّا مشاغبة بالتعلق بمتناقضات الفرق ، وتطويل بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الاسماع ، وأكثرها خوض فيما لا يتعلق بالدّين .
ولم يكن شيء من ذلك مألوفا في العصر الأول ، وكان الخوض فيه بالكلية من البدع ، ولكن اليوم صار ممّا لا بدّ منه حراسة لقلوب العوام من تخييلات المبتدعة ، وإنّما حدث ذلك بحدوث البدع كما حدث حاجة الانسان على استيجار البدرقة في طريق الحجّ لحدوث ظلم العرب وقطعهم الطريق ، ولو تركت العرب عداوتهم لم يكن استيجار الحراس من شروط طريق الحجّ والمتكلم إن تجرد للمناظرة ولم يسلك طريق الآخرة ولم يشتغل بتعهد القلب وإصلاحه لم يكن من جملة علماء الدّين أصلا ، إذ ليس عند المتكلم من الدّين إلّا العقيدة التي يشاركه ساير العوام فيها ، وهي من جملة أعمال ظاهر القلب واللسان وإنّما يتميّز عن العامي بصفة المجادلة والحراسة ، فان معنى معرفة اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه من العلوم الدّينية فلا يحصل من علم الكلام بل يكاد أن يكون الكلام حجابا ومانعا عنه وإنّما الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها اللّه سبحانه مقدمة للهداية حيث قال تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 1 » .
قال أمير المؤمنين ( ع ) : « من طلب الدّين بالجدل تزندق » « 2 » ، وروي أنّ رجلا قال للحسين بن عليّ ( ع ) : « اجلس حتى نتناظر في الدين قال : يا هذا انا بصير بديني ، مكشوف على هداي ، فان كنت جاهلا بدينك فاذهب واطلبه مالي وللممارات » « 3 » .
وعن الباقر ( ع ) : « الخصومة تمحق الدين وتحبط العمل وتورث الشّك » « 4 » ، وعن الصّادق ( ع ) « لا يخاصم إلّا شاك أو من لا ورع له » « 5 » وعن الكاظم ( ع ) أنّه قال لعلي ابن يقطين : « مر
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : آية 69 .
( 2 ) كتاب الاعتقادات ص 74 الملحق بشرح باب حادي عشر .
( 3 ) مصباح الشريعة باب 48 .
( 4 ) التوحيد : ص 458 ح 21 .
( 5 ) التوحيد : ص 460 ح 30 .