يعني أن يكون له في طاعته نية حسنة فان تيسر له الاتيان بما وافق نيته ، وإلا فقد أدى ما عليه من العبادة بحسن نيته .
وعنه ( ع ) « انّما خلد أهل النّار في النّار لأن نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا اللّه فيها أبدا ، وإنّما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبدا فبالنيات خلد هؤلاء ، ثمّ تلا قوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 1 » قال :
على نيّته » « 2 » .
وعنه ( ع ) « من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له أجره وإن لم يكن على ما بلغه » « 3 » .
وممّا قيل « 4 » في معنى الحديث المشهور : « إنّ النية إنما يكون خيرا من العمل » « 5 » لتوقف نفع العمل عليها ، دون العكس ، ولكون الغرض الأصلي من العمل تأثّر القلب بالميل إلى اللّه تعالى عن الغير كما قال اللّه عزّ وجل :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
« 6 » ألا ترى إلى إثم المجامع امرأته على قصد أنها غيرها ، بخلاف المجامع غيرها على أنها امرأته ، والتأثر صفة القلب .
وبهذا يعرف معنى قوله ( ع ) : « من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة » « 7 » لأن هم القلب هو ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى وحب الدنيا وهو غاية الحسنات وإنما الاتمام بالعمل يزيدها تأكيدا ، فليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم بل ميل القلب عن حبّ الدّنيا وبذلها إيثارا لوجه اللّه عزّ وجلّ وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النّية والهم ، وإن عاق عن العمل عايق ، فلن ينال اللّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم والتقوى في القلب .
ولذلك قال النبي ( ص ) لما خرج في غزوة تبوك : « إن بالمدينة قوما ما قطعنا واديا ، ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ، ولا أنفقنا نفقة ، ولا أصابتنا مخمصة الا شاركوا في ذلك وهم في
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 184 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ص 85 وعلل الشرائع : ج 2 ص 523 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ص 87 .
( 4 ) القائل هو أبو حامد الغزالي في احياء العلوم ونقل عنه المصنف تفصيلا في المحجة وقد لخصه هنا .
( 5 ) إحياء علوم الدين : ج 4 ص 335 وفيه « نية المؤمن خير من عمله » .
( 6 ) سورة الحج : آية 37 .
( 7 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 333 .