وكل ما وعد به الجنة وأوعد عليه النار في الآيات التي لا تحصى فرغب ورهب ووعد وأوعد وانما يثيبهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونيّاتهم فمن عرف اللّه بجماله وجلاله ولطف فعاله وأحبه واشتاق إليه وأخلص عبادته للّه لكونه أهلا للعبادة ولمحبته له ، أحبّه اللّه وأخلصه واجتباه وقربه إلى نفسه وأدناه قربا معنويا ودنوّا روحانيا ، كما قال في حق بعص من هذه صفته :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى
« 1 »
وَحُسْنَ مَآبٍ
« 2 » .
قال أمير المؤمنين وسيّد الموحّدين ( ع ) : « إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ، لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » « 3 » .
ومن لم يعرف من اللّه سوى كونه إلها صانعا للعالم قادرا ، قاهرا عالما وأن له جنة ينعم بها المطيعين ونارا يعذب بها العاصين ، فعبده ليفوز بجنّته أو يكون له النجاة من ناره ، أدخله بعبادته وطاعته الجنّة ، وأنجاه من النار لا محالة كما أخبر عنه في غير موضع من كتابه ، فإنما لكل امرى ما نوى .
فلا تصغ إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثّواب والخلاص من العقاب زعما منه أن هذا القصد مناف للاخلاص الذي هو إرادة وجه اللّه سبحانه وأن من قصد ذلك فإنما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضّرر عنها لا وجه اللّه .
فان هذا قول من لا معرفة له بحقايق التكاليف ومراتب الناس فيها ، بل ولا معرفة له بمعنى النية وحقيقتها وأنها عبارة عن انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها إما عاجلا وإما آجلا ، لا مجرد قول الناوي عند العبادة : أفعل كذا قربة إلى اللّه ، وتصور معنى هذا القول بخاطره وملاحظته بقلبه ، وإن لم يكن لنفسه انبعاث إلى التقرب .
هيهات انما هذا تحريك لسان وحديث نفس ، وما ذلك إلا كقول الشبعان : أشتهي هذا الطعام قاصدا حصول الاشتهاء ، وهذا الانبعاث إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد القول والتصور .
وأكثر النّاس يتعذّر منهم العبادة ابتغاء وجه اللّه والتقرب إليه ، لأنهم لا يعرفون من اللّه
هامش
( 1 ) الزلفة والزلفى : القربى والمنزلة م .
( 2 ) سورة ص : آية 40 .
( 3 ) العوالي : ج 1 ص 404 ح 63 .