تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
واما القاعد في بيته يعبد ربه من غير كسب فهو أيضا قد ترك اتباع أمر اللّه تعالى بالطلب قال الصّادق ( ع ) : « إن من يقوته أشد عبادة منه » « 1 » وربّما يكون مثله كلا على النّاس ، وان حاله ينادي بالبؤس والبأس ، وهو ضرب على بواطن الناس ، وتعرض للذل إلّا إذا خرج من بين النّاس ، فيرجع إلى الأوّل من تغريره بالنفس وتعرّضه للهلاك . وليت شعري أي مدخل في خفاء الأسباب وجلائها في التوكل بعد ما تقرر ان معناه الثقة باللّه وحده لا بالأسباب فسواء وجود الأسباب وفقدها ، جلاؤها وخفاؤها . نعم يتفاوت درجات النّاس فيه بحسب تفاوت مراتبهم في قوة اليقين وضعفه وفي قصر الأمل وطوله ، وفي مقدار الادّخال بحسب الأمل وللمنفرد والمعيل فمنهم من هو من المقربين ومنهم من هو من أصحاب اليمين ومنهم من لا توكل له أصلا ، وذلك بحسب عدم الوثوق بالأسباب أصلا وقلته وكثرته ومن كمل ايمانه سقط وثوقه بالأسباب بالكلية فيرزقه اللّه من حيث لا يحتسب كسب أم لم يكتسب إلّا أنه لا يتبع الكسب بل يتبع أمر اللّه فيه وليس وثوقه إلا باللّه وحده دون كسبه . قال الصّادق ( ع ) : « أبى اللّه جلّ وعزّ أن يجعل أرزاق المؤمنين إلّا من حيث لا يحتسبون » « 2 » . وإنّما خصّه بالمؤمنين لان كمال الايمان يقتضي أن لا يثق صاحبه بالأسباب وأن يتوكل على اللّه جلّ وعزّ وحده وكمال الايمان إنما يكون لصاحب العلم المكنون من الأنبياء والأولياء ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . قال السّجاد ( ع ) : « رأيت الخير كله في قطع الطمع عما في أيدي النّاس » « 3 » ومن لم يرج النّاس في شيء ورد أمره إلى اللّه تعالى في جميع أموره استجاب اللّه تعالى له في كلّ شيء . وقال الباقر ( ع ) : « بئس العبد عبد له طمع يقوده ، وبئس العبد عبد له رغبة تذله » « 4 » .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 5 ص 78 وفيه « للذي يقوته أشد عبادة منه » . ( 2 ) عن كتاب التمحيص كما عن البحار ج 100 ص 35 وعن مكارم الأخلاق : ص 270 . ( 3 ) الكافي : ج 2 ص 320 . ( 4 ) الكافي : ج 2 ص 320 .