الفصل الرابع تحصيل الأسباب لا ينافي التوكل
اعلم أن من النّاس من يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسّقوط على الأرض كالخرقة الملقاة واللحم على الوضم « 1 » وهذا ظن الجهّال فان ذلك حرام في الشرع ، فان الانسان مكلّف بطلب الرّزق بالأسباب التي هداه اللّه إليها من زراعة أو تجارة أو صناعة أو غير ذلك ممّا أحلّه اللّه .
وكما أن الصّلاة والصّيام والحجّ عبادات كلّف اللّه بها عباده يتقرّبون بها إليه ، كذلك طلب الرّزق الحلال عبادة كلّفهم اللّه به ليتقربوا به إليه ، بل هو أفضل العبادات كما مرّ بيانه في الباب الأوّل من المقالة الثالثة ولكنه سبحانه كلّفهم أيضا بأن لا يثقوا الا به جلّ وعزّ ، ولا يثقوا بالأسباب كما أنه سبحانه كلفهم بأن لا يتكلوا على أعمالهم الحسنة بل بفضل اللّه تعالى فمعنى التوكل المأمور به في الشرع الأقدس هو اعتماد القلب على اللّه تعالى في الأمور كلها وانقطاعه عمّا سواه ، ولا ينافيه تحصيل الأسباب إذا لم يكن يسكن إليها وكان سكونه إلى اللّه تعالى دونها مجوزا أن يؤتيه اللّه مطلوبه من حيث لا يحتسب دون هذه الأسباب التي حصلها وان يقطع اللّه هذه الأسباب عن مسبباتها .
سواء كانت لجلب نفع متوقع ، أو لدفع ضرر منتظر ، أو لإزالة آفة واقعة ، وسواء كانت مقطوعا بها كمدّ اليد إلى الطعام ليصل إلى فيه ، أو مظنونة كحمل الزاد للسّفر ، وأخذ السّلاح للعدو واتخاذ البضاعة للتجارة ، والادخار لتجدد الاضطرار والتداوي لإزالة المرض ، والتحرز عن النوم في مكمن « 2 » السّباع ومجرى ( ممر خ ) السّيل وتحت الحايط المايل ، وغلق الباب وعقل البعير ونحو ذلك .
أمّا الموهومة كالرّقية والطيرة والاستقصاء في دقايق التدبير فيبطل بها التوكل لأن أمثال ذلك ليست بأسباب عند العقلاء الألباء ، وليست ممّا أمر اللّه بها بل ورد النهي عنها ، على أن المأمور به : الاجمال في الطلب وعدم الاستقصاء وترك الاستبطاء .
هامش
( 1 ) الوضم محركة ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب وحصير ، وتركهم لحما على وضم أوقعهم فذللهم وأوجعهم ق .
( 2 ) كمن كمونا : استخفى .