تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
حتى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس ، فدخل المصر وأقام فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب وأوجس في نفسه خيفة ذلك فأوحى اللّه إليه أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا ، أما علمت أني إن أرزق عبدي بأيدي عبادي أحبّ إلي من أن أرزقه بيد قدرتي . وفي الإسرائيليات ان موسى ( ع ) « اعتلّ بعلة فدخل عليه بنو إسرائيل فعرفوا علته فقالوا له : لو تداويت بكذا لبرأت ، فقال : لا أتداوى حتّى يعافيني اللّه من غير دواء ، فطالت علته فأوحى اللّه إليه وعزّتي وجلالي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك ، فقال لهم : داووني بما ذكرتم ، فداووه فبرأ ، فأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى اللّه إليه أردت أن تبطل حكمتي بتوكلك عليّ فمن أودع العقاقير منافع الأشياء غيري ؟ » « 1 » . ومن النّاس من يزعم أن حقّ التوكل أن يكتفي بالأسباب الخفيّة عن الأسباب الجلية ، كأن يسافر بالبوادي التي لا يطرقها النّاس بغير زاد بعد أن راض « 2 » نفسه على الجوع الأسبوع فما يقاربه بحيث يصبر عنه من غير ضيق قلب وتشوش خاطر وتعذر في ذكر اللّه ، وأن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق له ، وأن يوطن نفسه على أنّه إن مات جوعا كان خيرا له في الآخرة أو يقعد في بيته أو في مسجد ويتفرغ بترك الكسب لفكر أو ذكر وإخلاص واستغراق وقت بالعبادة بحيث لا يستشرف نفسه إلى النّاس في انتظار من يدخل فيحمل إليه شيئا بل يكون قوي القلب في الصبر والاتكال على اللّه . وهذا خطأ لأن من جاهد نفسه وسواها بحيث يصبر على الجوع الأسبوع ويمكنه التقوت بالحشيش صارت الأسباب له جلية فان عدم الحاجة أحد الغنائين . ثمّ إن كان اعتماده حينئذ على صبره وتمكنه من التقوت بالحشيش فأين التوكل وإن كان إنّما يثق باللّه وحده فليقم في بلده مع الأسباب الجلية وليثق باللّه دون الأسباب كما أمر اللّه به الزاهد الذي مرّت قصّته . وأمّا توطين نفسه باختياره على الموت جوعا فممنوع شرعا قال اللّه عزّ وجلّ :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
« 3 » .
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 262 - 263 . ( 2 ) من الرياضة رضت الدابة ذللتها ، ورياضة النفس مأخوذة من رياضة البهيمة وهي منعها عن الاقدام على حركات غير صالحة لصاحبها . ( 3 ) سورة البقرة : آية 195 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 199 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى