فواجب على كلّ عبد محب للّه عزّ وجلّ أن يبغض من أبغضه اللّه ويمقت من مقته اللّه وان اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته موافقة للمحبوب باظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بابعاده .
وبهذا يجمع بين ما ورد في الحب في اللّه والبغض في اللّه مع الرضا بقضاء اللّه ، وهذا يستمدّ من سرّ القدر الذي لا رخصة في إفشائه ، وهو أن الشر والخير داخلان في المشية والإرادة ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضى به ، وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه فالأولى السكوت عنه والتأدّب بادب الشرع ، فقد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السّر فيه .
الفصل الثالث في الشكر وطريق تحصيله
أما الشكر فهو عرفان النعمة من المنعم والفرح به والعمل بموجب الفرح باضمار الخير والتحميد للّه واستعمال النعمة في طاعته .
أما المعرفة فبأن يعرف ان النعم كلها من اللّه تعالى وأنه هو المنعم والوسايط مسخرون من جهته ، وإنما الذي أنعم عليك هو الذي سخرهم لك وألقى في قلوبهم من الاعتقادات والإرادات ما صاروا به مضطرين إلى الايصال إليك ، فمن عرف ذلك فكانت معرفته شكر اللّه وهذا هو الشكر بالقلب .
وأما الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والتواضع فهو أيضا في نفسه شكر على حدة كما أن المعرفة شكر ، فإن كان فرحك بالنّعم خاصة لا بالنعمة ولا بالانعام ومن حيث إنّه تقدر بها على التوصّل إلى القرب منه والنّزول في جواره ، فهو الرّتبة العليا في الشكر ، وأمارته أن لا تفرح بالدّنيا إلا بما هو مزرعة الآخرة ومعينة عليها ، وتحزن بكل نعمة تلهيك عن ذكر اللّه وتصدك عن سبيله ، وهذا أيضا شكر بالقلب .
أمّا العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم ، فهو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ويتعلّق بالقلب واللسان والجوارح أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق وأما باللسان فاظهار الشكر للّه بالتحميد الدال عليه وأما بالجوارح فاستعمال نعم اللّه في طاعته