تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
هذا إن كان يلاحظ الثواب الذي يجازى به عليه ، ويجوز أن يغلب الحبّ بحيث يكون حظ المحب في مراد حبيبه ورضاه لا لمعنى آخر وراءه ، فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده ومطلوبا ، وكلّ ذلك موجود في المشاهدات في حبّ الخلق وقد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم . وقد روينا أن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلّا النظر إلى وجه يوسف الصديق ( ع ) ، كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه فشغلهم جماله عن الاحساس بألم الجوع ، بل في القرآن ما هو أبلغ من ذلك « 1 » وهو قطع النّسوة أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله حتّى ما أحسن بذلك . ويروى أن عيسى ( ع ) : « مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بفالج وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول : الحمد للّه الذي عافاني ممّا ابتلى به كثيرا من خلقه فقال له عيسى ( ع ) : يا هذا أي شيء من البلاء تراه مصروفا عنك ؟ فقال : يا روح اللّه أنا خير ممن لم يجعل اللّه في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته ، فقال : صدقت هات يدك فناوله يده فإذا هو أحسن النّاس وجها وأفضلهم هيئة قد أذهب اللّه عنه ما كان به ، فصحب عيسى ( ع ) وتعبّد معه » « 2 » .

الفصل الثاني في الرضا وان الدعاء غير مناقض له

اعلم أن الدعاء غير مناقض للرّضا وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها وحسم أسبابها والسعي في ازالتها بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وقد غلط في ذلك قوم من البطالين المغترين وزعموا أن المعاصي والفجور والكفر من قضاء اللّه وقدره فيجب الرضا به ، وهذا جهل بالتأويل وغفلة عن أسرار الشرع . فأما الدعاء فقد تعبّدنا به وكثرت أدعية الأنبياء والأئمة ( ع ) وكانوا في أعلى مقامات الرّضا ، وقد أثنى اللّه عزّ وجل على بعض عباده بقوله :
يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
« 3 » « 4 » وقال
هامش
( 1 ) حيث قال تعالى في سورة يوسف :فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ. ( 2 ) احياء علوم الدين ج 4 ص 320 . ( 3 ) الرغبة السؤال والطلب ، والرهبة الخوف وفي الحديث : لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب الا وجبت له الجنة . ( 4 ) سورة الأنبياء : آية 90 .