:
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
« 1 » .
وأمّا انكار المعاصي وكراهتها فقد تعبّد اللّه عزّ وجلّ به عباده وذمهم على الرضا بها فقال :
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
« 2 » وقال :
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ
« 3 » وفي الخبر المشهور : « من شهد منكرا ورضي به فكأنّه قد فعله » « 4 » ، وفي آخر « لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر في المغرب كان شريكه في قتله » « 5 » .
وأمّا الكفّار والفجّار ومقتهم والانكار عليهم فما ورد فيه من شواهد القرآن والأخبار لا يحصى ، وقد ورد : « أوثق عرى الايمان الحبّ في اللّه والبغض في اللّه » « 6 » .
فان قلت : قد وردت الآيات والأخبار بالرّضا بقضاء اللّه فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء اللّه فكيف السّبيل إلى الجمع بينهما ، وهو متناقض على هذا الوجه وكيف الجمع بين الرّضا والكراهة في شيء واحد ؟
فاعلم أنّ هذا ممّا تلتبس على الضعفاء القاصرين على الوقوف على أسرار العلوم وقد التبس على قوم حتى رأوا السّكوت على ( عن خ ) المنكرات مقاما من مقامات الرّضا وسمّوه بحسن ( حسن خ ) الخلق ، وهو جهل محض .
بل نقول : الرضا والكراهة متضادان إذا وردا على شيء واحد على وجه واحد وليس من التضاد في شيء واحد أن يكره من وجه ويرضى به من وجه إذ قد يموت عدوّك الذي هو عدوّ بعض أعداءك وساع في إهلاكه فتكره موته من حيث إنّه مات عدوّ عدوّك وترضاه من حيث إنه مات عدوّك .
وكذلك المعصية لها وجهان : وجه إلى اللّه عزّ وجل من حيث إنه فعله واختياره وإرادته فترضى به من هذا الوجه تسليما للملك إلى مالك الملك ورضا بما يفعله فيه ، ووجه من العبد من حيث إنّه كسبه ووصفه وعلامة كونه ممقوتا عند اللّه وبغيضا عنده حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت فهي من هذا الوجه منكر ومذموم ويشهد لذلك كلّ ما يكره من وجه ويرضى به من وجه ونظائر ذلك لا تحصى .
هامش
( 1 ) سورة غافر : آية 60 .
( 2 ) سورة يونس : آية 7 .
( 3 ) سورة التوبة : آية 87 .
( 4 ) إحياء علوم الدين : ج 4 ص 322 .
( 5 ) روضة الواعظين : ص 461 .
( 6 ) المحاسن : ج 1 ص 263