تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
يترك الاهمّ ويشتغل بغيره كالذي يترك الفرض ويشتغل بالنّافلة ومنهم من يترك اللباب ويشتغل بالقشر كالذي تكون همّته في الصّلاة مقصورة على الوسواس في النّية أو تصحيح مخارج الحروف حتّى تفوته الجماعة وتخرج الصّلاة عن الوقت ثمّ لا يحضر قلبه في صلاته ويزعم أنه إذا أتعب نفسه في تصحيح النية أو الحروف تميّز عن العامة بهذا الجهد . ومنهم من اغترّ بقراءة القرآن فيهذّه هذا « 1 » وربّما يختم في اليوم واللّيلة مرّة ولسانه يجري به وقلبه متردّد في أودية الأماني ومنهم من اغتر بالصّوم وربما صام الدّهر ولا يحفظ لسانه عن الغيبة ولا بطنه عن الحرام عند الافطار ثمّ يظن بنفسه الخير . ومنهم من اغتر بالحجّ فيخرج إلى الحج من غير خروج من المظالم وقضاء الدّيون وطلب الزاد الحلال ويضيع في الطريق الصّلاة ويعجز عن طهارة الثّوب والبدن ويتعرّض لمكس الظلمة وذلك بعد سقوط حجة الاسلام . ومنهم من يتقلّد امامة مسجد الجمعة أو أذانه ويظن أنّه على خير ولو أم غيره أو أذّن في وقت غيبته قامت عليه القيامة ولو كان أورع منه وأعلم . ومنهم من يأمر بالخير وينسى نفسه فإذا أمر عنف وطلب الرّياسة والعزّ وإذا رد عليه إذا باشر منكرا غضب وقال : أنا المحتسب فكيف تنكر عليّ وإنّما غرضه الرّياسة . ومنهم من أحكم العلوم الشّرعية وتعمّق فيها واشتغل بها وأهمل تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات وأهمل تفقد قلبه ليمحو عنه الصفات المذمومة والاخلاق الرّدية واغتر بعلمه وظن أنّه عند اللّه بمكان وأنه قد بلغ من العلم مبلغا لا يعذب اللّه مثله بل يقبل في الخلق شفاعته وأنّه لا يطالبه بذنوبه لكرامته على اللّه . ومنهم من يعجب بنفسه ويظن أنه منفك عن الاخلاق المذمومة وأنه أرفع عند اللّه من أن يبتليه بها وإنما يتبلى بها العوام . ثمّ إذا ظهر عليه مخائل الكبر والرّياسة وطلب العلو والشّرف قال : ما هذا كبر وإنما هذا
هامش
( 1 ) في الحديث : لا تهذوا القرآن هذّ الشعر ولا تنثروه نثر الرمل . الهذ بالذال المعجمة المشددة سرعة القطع ، ثم استعير لسرعة القراءة يقال . هو بهذا القرآن من باب قتل اي يسرده ويسرع به والمعنى : لا تسرعوا بقراءة القرآن كما تسرعون في قراءة الشعر ولا تفرقوا بعضه عن بعض وتنثروه كنثر الرمل ، ولكن بينوه ورتلوه ترتيلا كما امر به في قوله تعالى :وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. م .