الأسباب « 102 » ومنهم من ينفيها ولذلك قال من له اطلاع على كيفية الحال إن الناس في هذه المسألة بين حيارى وجهال فمن استشفى من هذا الداء الذي لا يخلص منه إلا المخلصون أصبح موحدا لا ينافي توحيده رؤية الأسباب ومتوكلا لا يضر توكله إثبات الماهيات فلسان الشرائع والآداب ناطق بأن وجود كل شر وقصور وآفة ولو باعتبار من الاعتبارات يضاف إلى الخلق ووجود كل كمال وخير وسلامة يضاف إلى الحق تعالى كما في قوله تعالى حكاية عن خليله على نبينا وعليه السلام
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
« 103 » فإنه عليه صلوات الرحمن أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه وكما في قول رسول الله ص : حيث يدعو ربه الخير كله بيديك والشر ليس إليك وفي حديث آخر عنه ص : فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وألقت قاطبة المحققين على أن الشر المحض لا وجود له بل كل موجود من جهة وجوده خير محض والشرية إنما ينشأ في قليل من الموجودات باعتبار ماهياتها بلا جعل وتأثير بل المجعول والمفاض هو وجود الأشياء ولا شرية في شيء باعتبار وجوده كما ذكرنا وإليه الإشارة في قوله تعالى
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
« 104 » وفي قوله تعالى
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
« 105 » فكل ما وصل إليك من الشرور والمنافيات فاعلم أنه من تبعات قصور ذاتك وعواقب سوء استعدادك يداك أوكتا وفوك نفخ « 106 » ليس العذاب لمنتقم خارجي بل النفوس الجاهلية الشقية التي كفرت بأنعم الله لحقتها نتائج أعمالها وأفعالها ولزمتها لوازم حركاتها وأخلاقها الردية فهي حمالة حطب نيرانها يوم الآخرة .
فليس للحق تعالى إلا حمد إفاضة والجود وإخراج الأشياء من
هامش
( 102 ) نسخة م وا : أسباب .
( 103 ) سورة الشعراء 36 : آية 80 .
( 104 ) سورة الملك 67 : آية 3 .
( 105 ) سورة السجدة 32 : آية 7 .
( 106 ) من أمثال المشهورة ، أصله ان رجلا كان في جزيرة ، فارادان يعبر على زق قد نفخ فيه ، فلم يحسن احكامه ، فلما توسطا لبحر ، خرجت منه الريح فغرق فاستغاث برجل . فقال له : يداك أو كتاوفوك نفخ . وذهبت مثلا يضرب لمن يخشى على نفسه الحين .