يستنكف المسيحأن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون وهم المهيمون منهم الذين حصل لهم الفناء في الحق والهيمان له لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن التقي النقي ولا يخفى أن سبب هذه الوسعة لقلب العبد والانشراح لصدره إنما هو ترك الالتفات إلى غير الله والإقبال بالكلية إليه والتحقيق بالعبودية الصرفة والاستهلاك ولهذه الدقيقة ذكر في حديث إلهي بهذا العنوان دون الرسالة وغيرها من ألقاب
دو عالمرا بيكبار از دل تنگ * برون كرديم تا جاى تو باشد
ولما علمت معنى الوصول والتقرب إلى الحق فالالتحاق به على هذا الوجه من صيرورة العبد لصفاء ذاته وتسوية وجهه مرآة لمعرفة الحق وأسمائه وصفاته ومظهرا لأنواره وآثاره علمت أن هذا ليس بامتزاج ولا اتصال ولا حلول ولا اتحاد تعالى عما يقول الملحدون علوا كبيرا بل هو توجه استغراقي وعلاقة اضمحلالية وعبودية تامة يحكم عليها شعاع طامس قيومي يمحو عنها الالتفات إلى غير الحق أي غير كان وإن كان هوية العارف أي عرفانه من حيث هو عرفانه فإن في ذلك شركا خفيا وقولا بالثاني والتوحيد ينافيه . وبالجملة عند أهل التحقيق عباد الله الذين ليس للشيطان عليهم سلطان « 214 » هم العارفون الذين يعرفون مداخله من أنحاء التقيدات والركون إلى زخارف عالم الكون وزينته التي هي أمور وهمية لا حقيقة لها بحسب ماهياتها الواقفون مع الأمر الإلهي لا يتعدون عنه والموحدون الذين لا يرون لغيره وجودا متأصلا ولا ذاتا مستقلة ولا يعلمون الأشياء إلا مظاهر فيضه ووجوده ومجالي جماله وجلاله فيكون عباداتهم وحركاتهم وسكناتهم كلها بالله من الله إلى الله لله قال تعالى
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
« 215 » والذين يعبدون الله من حيث ألوهيته وذاته المستحقة للعبادة لا من حيث إنه رحيم أو منعم أو منتقم فإن عبد المنعم لا يكون عبد المنتقم وعبد الرحيم لا يكون عبد القهار .
هامش
( 214 ) ايهام لطيف إلى آية كريمة في سورة الحجر :إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.
( 215 ) سورة الإسراء 17 ، آية 23