تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
ملاكها تخلية القلب عما سوى المحبوب الحقيقي وللوصول إلى حصول هذه الدولة العظمى طريقا ما سلكها أحد إلا وصل المقصود وهي أن يذكر اسم المحبوب الحقيقي ابتداء بلسانه ويحضره بقلبه منزلا اسمه على مسماه المحيط علمه بالأشياء من غير فتور في هذا الذكر حتى يغوص حديث النفس في القلب بذكره فإذا رأى قلبه ذاكرا للمحبوب وانحصر في ذكره حديث النفس ينبغي أن لا يرضى بذلك فيترك الذكر بل يداوم على الذكر حتى يلتذ قلبه من ذكره فيترقى بالمداومة المذكورة أيضا إلى أن ينقطع قلبه عن الالتذاذ بغيره من سائر اللذات الدنيوية والأخروية فلا يبقى لقلبه ح متعلق سواه فيكون كله مشغولا بحيث لو أراد أن يحب غيره ولو بالتكلف ما يمكن من ذلك والمكالمة والمناجاة اللتان يحصلان للسانك انما هما في هذه الحالة فيصير ح بحيث لو تكلم مع أحد كان الكلام معه وكذا لو نظر إلى أحد كان ناظرا إليه وهذا هو الحضور المنزه عن الغيبة المعبر عنه في الحديث القدسي بقوله ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ويبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده الذي يبطش به ورجله الذي يمشي به وعقله الذي يعقل به فخ لا تمنعه الاشتغال الصورية الضرورية عن هذه العلاقة الحبية المعنوية إذ تمكن باطنه عن مناجاة الحق وهو بظاهره مع الخلق فهو كائن بائن وهذا المعنى عبارة عن بلوغ السالك كما قالت رابعه رض ( شعر )
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي * وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد انيسي
فصاحب الدولة الذي حصل له في الدنيا هذا التعلق الحبي بالحق سبحانه إذا فارق روحه من بدنه يحصل وصال واتصال دائمي بربه فإن القلب الذي شفعه الحب وإن كان واصلا إلى محبوبه في هذا العالم ولكن يقع عليه حجاب رقيق لأجل المقتضيات البشرية فلما انقطع الروح عن الجسد زال ذلك الحجاب بالكلية إذ زوال العلة التامة للشيء يستلزم زوال معلومها والجسد علة الحجاب الرقيق وقد زالت مزاحمته لروح المحب المذكور بالموت الطبيعي فلا حجاب لهذا الروح بعد الموت أصلا ( تمثيل ) إذا أردنا أن نشغل أناسا بمحبة محبوب فطريقه أن يقى في الحارة الفلانية محبوب كذا وكذا نعته مما يستلزم التوجه إليه فينبغي أن تحبه لأنك إذا أحببته تلتذ بمحبته فتفوز بوصاله والانسان مجبول بمحبة ما يلتذ منه فيميل قلبه بمجرد سماع نعته إلى محبته ولكنه ما يعرف طريق تحصيل هذه السعادة فالطريق له أن يق له ما يمكنك الاستسعاد بها إلا بان تكثر من ذكره وتزجر قلبك عن الاشتغال بغيره فيميل إليه وإذا داوم على الذكر بزيد الميل فيلتذ قلبه من هذا الميل بازدياد اللذة إلى أن تستحكم العلاقة التي هي الارتباط الحيي فلا يبقى في يده زمام اختيار القلب إذ شغفته محبته فيحبه سواء أراد أو لم يرد فلا تسع القلب محبة الغير بل لا يسعه الاشتغال باسم المحبوب فينسى الاسم من غلبة المسمى عليه ويترقى من هذا الحال إلى مرتبة استيلاء نفس الحب كما قال العامري لليلى دعيني فقد شغلني حبك عنك بانصباغ طرفيه بصبغة وهي الوحدة المحظة صبغة اللّه ومن أحسن من اللّه صبغة إذا علم أن حصول المحبة انما هو في الاشغال باسمه فاعلم أن أفضل الأذكار ذكر لا إله إلا اللّه إذ هذه الكلمة مركبة من النفي والاثبات والحجب الحاصلة للعبد انما هي بواسطة انتقاش الصور الكونية في القلب وفي هذا الانتقاش اثبات الغير ونفي الحق فلا يحصل القرب إلا برفع الحجاب وذلك بإثبات الحق ونفي الغبر كما هو المفهوم من هذه الكلمة الطيبة فالمبتدي إذا أراد أن يشتغل بها فليقصر امله وليحصر حياته في النفس الذي هو فيه وفي هذا