تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
النفس الذي تيقنه آخر أنفاسه أن يشتغل بالذكر المذكور وطريقه أن ينحى عن قلبه غير الحق بقول لا إله ويلاحظ الحق عز وجل بالمعبودية والمحبوبية في قول إلا اللّه بحيث يضمر في قلبه كل مرة يقولها أن لا معبود إلا اللّه وليكن اشتغاله بالذكر منزها عن الترك وتطرق الفتور فإذا عرضته فغلة فليعتقد من باب التمثيل إن كان معه در ثمين عديم النظير وهو الآن ضالة فيتحزن لذلك بلا ريب كذلك يتحزن من فوات الحالة المذكورة وهذا التحزن علامة تأثر القلب عن الذكر فإذا دام على هذه الحالة يصل إلى مقام لو ترك الذكر بلسانه فالقلب مشغول به ولكن لا يكتفي بذلك بل يستوعب أوقاته للاشتغال به على القاعدة المقررة للنقشبندية من الصاق اللسان بالحنك الأعلى وحبس النفس في السرة ورعاية الحركات الثلاث مبتديا من السرة ومنتهيا إلى القلب والحركة الوسطى إلى المنكب الأيمن في النفي والاثبات إلى أن يصل مرتبة يغلب ذكر الحق على سائر الأشياء ويداوم على الذكر حتى يتدارج إلى انفراد حقيقة القلب بالمذكور لاستيلاء سلطان المحبة عليه فلا يبقى في القلب محبة الغير فيتحقق تعلقه بالحق فيستوي على عرشه الأعظم متكلما سميعا بصيرا مريدا قديرا وحصول هذه السعادة للقلب انما هو لأن اللّه تعالى خلق القلب بحيث ما يمكنه إلا أن يكون متعلقا بشيء فإذا انقطع تعلقه عن الغير بالطريق المذكور لم يبق إلا أنه يتعلق بالحق سبحانه أراد العبد أو لم يرد وفي هذه المرتبة يصير الذكر صفة ذاتية للقلب وحقيقة الذكر التي هي منزهة عن الحرف والصوت تتحد مع جوهر القلب المعبر عنه بالنكتة الذاتية فيحيط الحبيب بفضاء القلب بعد إحاطة ذكره بالفضاء المذكور وشتان ما بين الاحاطتين فإن إحاطة الحبيب بقضاء القلب انما هي نتيجة المحبة المفرطة المسماة بالعشق فيترقى من هذا المقام إلى أن يفنى الوجود الموهوم في الوجود الحقيقي فيصير الذاكر عين المذكور وتتبدل الذاكرية بالمذكورية فيظهر للذاكر في حقيقة قولهم لا يذكر اللّه الا اللّه وإذا حكم بفناء وجوده الموهوم فيحكم بفناء جميع الأشياء الموهومة أيضا فيتجلى له قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه ويكشف جمال قوله لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار عن وجهه برافع الاستتار فيكون موحدا حقيقيا كما قال ( شعر )
ما وحد الواحد من واحد * إذ كل من وحده جاحد توحيد إياه توحيده * ونعت من ينعته لاحد
ففي البيتين إشارة إلى حصول هذه المرتبة العليا لخواص عباده في دار الدنيا وكانت المتابعة سبب حصول هذه المرتبة العلية فمن أراد هذا التحصيل فليجالس من يوافق ظاهره الشريعة المحمدية وباطنه بواسطة المتابعة في المراتب المذكورة مظهرا للكمالات إذ القلب مجبول على التأثر من الجليس أن خيرا فخير وان شرا فشر بحيث لو جلس أحد مع محزون يتأثر من حزنه وإذا جلس مع مسرور يتأثر من مسرته وان جالسهما يتمكن فيه الصقتان وهذا من كمال قابلية القلب ولولا هذه القابلية لما حصلت له الكمالات المذكورة فمن جالس هذه الطائفة يتأثر باطنه عن باطنهم فيميل قلبه إلى الحق جل وعلا وبمقدار ميله ينقطع عما سواه وبمقدار انقطاعه يزيد الميل فازدياد الميل سبب ازدياد الانقطاع وازدياد الانقطاع سبب لميل آخر وهلم جرا إلى أن لا يبقى له ميل إلى الغير وربما يحصل هذا الحال لبعض أرباب القابلية في صحبة هذه الطائفة بنظرة واحدة فينقطع قلبه عن غير اللّه ويتوجه بكلية قلبه إلى ربه ومولاه وهذا هو الوصول في مرتبة من المراتب ولكن الثبات على هذه الحالة مشكل لا يعرفه الا أرباب معاملة القلب وقد يحصل هذه السعادة للسالك في صحبة أهل اللّه وما يشعر بها لضعف استعداده والثبات عليه منوط بدوام
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 555 | أحمد الفاروقي السرهندي / عبد الله احمد الحنفي المصري / على رضا قشلى