فأوصاف العبودية فقر وضعف ، وعجز وذلّة وانكسار ، المدّعي مجاوز ذلك ، مثبت لنفسه العزّة والافتخار .
فمن اتّزر بإزار الحق ، وارتدى بردائه قصم ، ومن تحقّق بأوصافه ، وارتدى رداء ذلّته وانكساره عصم ، فلا تتخلّق أيّها الأخ في خدمة مولاك إلّا بأخلاق العبيد ، ولا تلبس في هذه الحضرة إلّا ملابس الذلّة والانكسار ، تستوجب المزيد ، وتكون في ذلك مقتديا بالأنبياء والمرسلين ، وينزعج قلبك حينئذ كانزعاجهم لمعرفة ربّ العالمين .
68 - انزعاج القلب لروعة الأنبياء « 1 » أرجح من أعمال الثقلين .
روعة الأنبياء وخوفهم من الحق تعالى أشدّ من كل أحد ؛ لمعرفتهم بجلال اللّه تعالى وكماله ، فكلّما كانت المعرفة أكثر ؛ كانت الخشية أكثر ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « أنا أعرفكم باللّه ، وأخشاكم له » « 2 » .
وقال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] .
ومن شابهت معرفته معرفة الأنبياء اشتدّت خشيته ، وكملت روعته ، وانزعج قلبه ؛ إذ ليس من يرى نفسه في مخاليب الأسد ، أو بين أنيابه ، كمن يسمع ذلك ويشهده من وراء حجاب ، فمن تحقّق قلبه بهذا الانزعاج ، وصارت له هذه الروعة كرأي العين ؛ كان له ذلك أرجح من عمل الثقلين .
إذا ما من عمل إلّا وهو محفوف بالآفات ، وهذه موصّلة له إلى مولاه ، مميت له أشدّ الموات .
فاجتهد أيّها الأخ في الاقتداء بهم في الأفعال ، وزكّ نفسك على طريق تزكيتهم ؛ ترثهم في الأحوال ، وبالغ في الأعمال ، فإن الرياضة في الأعمال كما قال أهل البصيرة :
بقدر الكدّ تكسب المعالي * ومن طلب العلا سهر اللّيالي
هامش
( 1 ) في البيان ( الانتباه ) .
( 2 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 231 ) بنحوه .