هامش
- والدرجة الثالثة : درجة رجل حل عويص المشكلات ، وكشف دقائق المنقولات والمعقولات ، وغاص بحور ، مضمرا الهمة لنصرة الشرع في أحواله ، إلا أنه أخذته عن العلم على من هو دونه ، وإذا انتصر للشرع وعورض بدليل اختطفته نصرة نفسه فأفرط ، وأقام الأدلة على خصمه ، وشعّ عليه ، وربما كفّره ، وطعن فيه ، وهجم عليه هجوم الحيوان المفترس ، مع عدم رعاية الحد المحدود شرعا في كل حال من أحواله ، وأحوال خصمه .
والدرجة الرابعة : درجة رجل علمه اللّه فنصب نفسه لتنبيه الغافل ، وإرشاد الجاهل ، وردّ الشارد ، ونشر الفوائد ، والنصيحة ، وإنكار ما ينكر شرعا ، وقبول ما يقبل شرعا بحسن التجرّد من الغرض ، يرى أن الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبّحه الشرع .
يأمر بالمعروف أمر حكيم غير غليظ ولا فظ ، وينهى عن المنكر نهي مشتق غير ظالم ولا عاد .
فصاحب الدرجة الأولى : سئ ، وصاحب الدرجة الثانية : محروم ، وصاحب الدرجة الثالثة :
مغرور ، وصاحب الدرجة الرابعة : عارف .
وفي كل درجة من الدرجات المذكورات كذلك درجات تظهر في حال الرجل والمعصوم من عصمه اللّه انتهى .
فانظر ما أجمل هذا التفصيل الحسن ، فإنه إذا فقه استوفى مراتب الصوفية ، والفقهاء وتدبّر كيف التفت مخاطبا إن أشاع ثمرة العلم ، وطلب عزه ، فقال له : كيف يصح لك عز العلم الذي هو بركة العمل التي تنتج العلم اللدني بشاهد قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« من عمل بما يعلم ، ورثه اللّه علم ما لم يعلم » .
وأنت كسوت علمك ثوب الذّل والإهانة ، بترك العمل والانحراف عن الطريق المستقيم ، الذي يوصل أهل العلم باللّه إلى اللّه .
وهذا عين مضمون البيت المنسوب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو :ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظّموه في النفوس لعظّموافتعظيمه في النفوس إنما هو تعظيم شعائر اللّه ، قال اللّه تعالى :وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[ الحج : 32 ] .
ومن كان عالما بالدنيا ، جاهلا بالآخرة ، فهو مبغوض عند اللّه بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« إن اللّه تعالى يبغض كل عالم بالدنيا جاهل بالآخرة » .
فاللّه نسأل ، وبرسوله العظيم نتوسل أن يجعلنا من العالمين العاملين المقبولين عنده ، المرضيين ، إنه أرحم الراحمين . وانظر : قلائد الزبرجد ( ص 114 ) بتحقيقنا .