إذ الإشارة إلى النفس فرع إثباتها ورؤيتها ، وهو ينافي مقام الفناء ، ويباين مشرب من ارتشف كأس الهناء ؛ ولذلك قال ذو النون رضي الله عنه لّما سئل : ما أشدّ الحجاب وأخفاه ؟ قال : رؤية النفس وتدبيرها ، فمن حجب ورأى نفسه شيء أشار إليها ؛ فكان مدّعيّا ، وهو عن مذاق أهل الفناء بمعزل .
ولذلك قال الشيخ رسلان : كلّك شرّ خفيّ ، وما يبين توحيدك إلّا إذا خرجت عنك ، فمن خرج عن نفسه لا يراها ، ولا يشير إليها ، ولا يحوم حول مدّعاها ، وحينئذ تكون مقتديا بالدليل ، وأصلا إلى أعلى مراتبها ومنتهاها .
قال رضي الله عنه :
42 - إنما حرموا الوصول لترك الاقتداء بالدليل ، وسلوكهم الهوى .
أشار رضي الله عنه إلى الطريق القويم الموصّل إلى الصراط المستقيم ؛ طريق أهل الاقتداء بالدليل المحمّدي المعرضين عن الهوى ، المودّين بالفضل السرمدي ، التابعين له صلى اللّه عليه وسلم في الأقوال والأفعال والأحوال ؛ مقام أهل الجنة والوراثة الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] .
وأشار إليه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » « 1 » .
فمن وصل إلى المقصود لم يصل إلّا من هذا الطريق ، ومن حرم الوصول فلتركه هذا المنهج ، واقتطاعه بعلائق التعويق « 2 » .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
( 2 ) قال الشيخ سيدي أحمد الرفاعي في حكمه : [ ربّ علم ثمرته جهل ، وربّ جهل ثمرته علم ] . وألحقها بقوله : [ كيف يصحّ لك عزّ العلم وأنت كسوت علمك ثوب الذّل ؟ ]
قال الشيخ الصيادي : أراد رضي الله عنه بقوله : ( ربّ علم ثمرته جهل ) : أي ربّ علم اختطفت صاحبه أجنحة الغرور بالعلم ، فاكتفى به عن العمل ، وتعالى عن الخلق ، فأنتج له العلم المذكور ثمرة القطيعة التي ينتجها الجهل .
وأراد بقوله : ( وربّ جهل ثمرته علم ) : أي وربّ جهل ألزم صاحبه الانكسار ، والاحتقار بنفسه .
فلزم أبواب العارفين والعلماء العاملين ، وأخذ عنهم وانتفع منهم ، فأورثه اعترافه وانكساره معه علما .