أمر ذوقي معنوي لا يليق إظهاره ، كالجوهرة النفيسة لا يسمح صاحبها بإظهارها إلّا بقدر الضرورة ، وهكذا الفقر .
إذ عين التوحيد وهو كالدواء عند العارف لا يذكره إلّا للمريض المحتاج ، ولا يسمح بإفشائه لأهل الاعوجاج .
قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : ليكن الفرق بلسانك موجودا ، والجمع بقلبك مشهودا ؛ فالعارف من ستر فقره وتوعيده ، وأظهر فوقه ، وسار سيرة حميدة ، يعاشر الخلق في الباطن كأنه منعزل عنهم .
وما أحسن ما قيل في المعنى :
ومن داخل كن صاحيا غير غافل * ومن خارج خاطر كبعض الأجانب
متخلّق في معنى ذلك بمعنى قوله تعالى :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ
[ النور : 37 ] .
يحكى أنه دخل بعض أهل الأحوال على بعض أهل الكمال ، وكان ذلك الفاضل مشغولا بفصل الخصومات مع الناس ، فلمّا رآه ذلك الداخل بتلك الحالة فرش سجادته على حوض على نهر ما كان هناك ، وشرع يصلّي فالتفت إليه ذلك الكامل ، فقال له : ما هذه البدعة التي تفعلها ؟ ليس الشأن أن يكون الرجل بين الخلائق ، وسرّه عند الخالق ، ولقد صدق فيما قال ، وبيّن ما عليه أهل الكمال من الرجال .
فلذلك قيل : العارف كائن بائن ؛ كائن بظاهره مع الخلق ، بائن بسرّه مع الحق .
هامش
- تحقيق : اتّصاف الرب سبحانه بوجود الغنى المطلق ، هو الذي أوجب لنا الفقر المحقق ، وبهذا الاتصاف حصلت الألطاف ؛ لأن من رحمة الغني أن يجود على الفقير ، ويجبر المسكين الكسير .
تدقيق : ما أتى باب الغني الكريم فقير فخاب ، ولا قصد حماه فغلق دونه الأبواب .على بابك الأعلى مددت يد الرجا * ومن جاء هذا الباب لا يختشى الردى