تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به » « 1 » . والحاصل : إن العارف يصل إلى حالة يفنى فيها عن أفعاله وأوصافه وذاته ، وهذا يسمّى جمعا ، ومع ذلك لا يحجبه جمعه عن فرقه ، ولا فرقه عن جمعه ، ولا صحوه عن سكره ، ولا سكره عن صحوه « 2 » ، كما قال العارفين :
له لدى الفرق جمع يستضيء به * كالفرق في جمعه ما زال يلقيه في ريّه ظمأ والصحو يسكره * والوجد يظهره طورا ويخفيه
ويوضح لك ثمّة من ذلك قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] . فنفى عنه الرمي أولا بقوله :
وَما رَمَيْتَ
وهو عين الجمع ، وأثبته ثانيا بقوله :
إِذْ رَمَيْتَ
، وهو عين الفرق ، ثم قال :
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
: أي أن الرمي منسوب إلى اللّه تعالى إيجادا ، وإليك إسنادا ؛ وهذا هو حقيقة الجمع والفرق « 3 » .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) قال سيدي علي وفا : العارف عين معروفه ، والمحقق حقيقة ما حققه ، وعلى قدر شهود الكمال والتكميل تكون محبة الشاهد لمشهوده ، وعلى قدر صدق المحبة يكون تحقق المحب بمحبوبه ، وعلى قدر التحقق يكون ظهور المتحقق بحكم ما تحقق به عينا وأثرا ، ولكل مقام مقال ، ولكل مجال رجال ،وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ التغابن : 11 ] ،إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ[ فصلت : 54 ] . وهو هو بما هو هو سيدي وربي ، وهو مولاي وحسبي ليس إلا هو ، يا مولاي ، يا واحد ، يا مولاي ، يا دائم ، يا علي ، يا حكيم . ( 3 ) فجمع بين رميه صلى اللّه عليه وسلم الذي يلي جانب الوجه التقييدي ، وبين رميه تعالى الذي جانب الوجه الإطلاقي ، فهذه هي مرتبة الجمع بين التخصيص والتشكيك ، فغير العارف إذا شاهد هذا الرمي عن يد النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ أسنده إليه ، وذلك شرك جدا . وأمّا العارف الغير الكامل فيسنده إلى اللّه تعالى ، وذلك إلحاد قطعا . وأمّا الكامل فيسنده الظاهر إلى الظاهر ، والباطن إلى الباطن . فإن تأثير الرمي في الخارج لم يكن من الحقيقة الكونية التي تلي جانب الخلق ؛ بل من الحقيقة الوجوبية التي تلي جانب الحق ، فإذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم جامعا بين مرتبة الخلقية الكونية -