من عرف اللّه شهده في كل شيء ، فلا يستوحش من شيء ، ويستأنس به كل شيء ، ويشهد معنى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] عيانا « 1 » .
ويفهم معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها لبيد » ، قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل « 2 »
وتشرق عليه لمعة من قوله تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الحديد : 3 ] .
ويتحلّى بخلقه :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] ، ويرتفع عنه اشتباه معنى قوله عزّ من قائل :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق : 16 ] .
ويسمع بالحق ، ويبصر بالحق ، وينطق بالحق ؛ لأن الحق يكون حينئذ سمعه وبصره ولسانه ، كما في الحديث القدسي : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره
هامش
- فالاستفادة الأولى بلا واسطة جسم من الأجسام وهو نادر ، والثانية بلا واسطة روح من الأرواح ، وهو أندر ، وعليه أويس القرني رحمه اللّه ، ومن يتصل به في ذلك ونظيره في القرن الموسوي برخ الأسود ؛ فإنه مثل أويس في هذه الأمة .
ويقال : لأمثالهم الذاتيون ، ولغيرهم الصفاتيون ، ولكل منهم مشرب مخصوص ، وما يقل : من أن أويسا ، وبرخ الأسود كانا يأخذان من الأرواح بالقلوب ، والأرواح بلا واسطة صحبه جسمانية ، ومكالمة لسانية ، فليس بمسلم عند كمّل أرباب الحقائق ، فانحصر السلوك في ثلاثة الأخذ بواسطة صحبة جسمانية ، كما هو الغالب ، والأخذ بواسطة صحبة روحانية كما هو النادر ، والأخذ بلا واسطة شيء من روحاني وجسماني وهو الأندر .
( 1 ) أي : كل شيء من الأشياء الموجودة في العين هالك من حيث تعيّنه الخاص إلا الوجه الذي يلي الحق ؛ وهو أحد وجهي الحقيقة الكونية التي هو الإطلاق على ما ذهب إليه أهل التفسير والتأويل .
فجعل الوجه الذي يلي وجه الحق غير هالك ؛ بل الحقيقة الإنسانية جامعة لوجهي الإطلاق والتقييد ، فوجه الإطلاق ؛ هو وجه عين وجه الحق في الحقيقة ، ولولا هذا الوجه ؛ ما عرف الحق ؛ إذ لا مناسبة بين الحق والخلق أبدا .
( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1395 ) ، ومسلم ( 4 / 1768 ) .