وقال أيضا : خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك ، إن أردت أن تعرف قدرك عنده ، فانظر في ماذا أقامك .
فاحرص يا أخي على الاستقامة ، والتوجّه إليه ، ولا تجنح بهمتك إلّا إلى كل ما يوصلك إليه .
كما قال رضي الله عنه :
21 - السالك ذاهب إليه ، والعارف ذاهب فيه .
السالك ذاهب إليه ؛ لأنه في البداية ، والعارف ذاهب فيه ؛ لأنه في النهاية .
فابتداء السالك من الأكوان ، وانتهاء العارف إلى مقام الإحسان .
فالسالك سائر من عالم طبيعته إلى عالم الملكوت ، ومنه إلى عالم الجبروت ، ومنه إلى حضرة اللاهوت ؛ حضرة تنمحي فيها العبارة والإشارة ، وتذهب الأسماء والرسوم ، ولا يبقى هناك مشهود إلّا الحيّ القيّوم ، فإذا ظهرت شمس المعرفة ذهبت بقوم التفرقة ، ولا يشهد المنتهى إلّا مولاه ، ولا يظهر له فعل ولا وصف ولا وجود إلّا للّه « 1 » .
هامش
- فيكون ظاهره قائما بوظائف العبودية ، وباطنه متحققا بحقوق الربوبية ، ثم إذا أحس بإجابة المطلب وحصول المنى والمرغب فرح قلبه وانبسطت روحه ، حيث شمت نسيم الإقبال وروح الوصال ، فربما يقبضها البسط عن شهود مولاها ، فيخرجها منه إلى القبض ثم يرحلها عنهما إليه . وانظر : إيقاظ الهمم ( شرح الحكمة : 98 ) .
( 1 ) فيه إشارة إلى حال السالك ، فإنه ينبغي له أن يزرع أرض وجوده ، وتراب نفسه بما يمكن له من الأعمال الصالحة الشرعية ، ويسقيه بماء الصدق والخلوص ؛ لينتفع بها يوم لا ينفع مال من الصفات ، ولا بنون من القوى ، فإن لم يكن له معرفة بكيفية الإصلاح والزرع ، ولم يقدر على ذلك ؛ فليسلّم نفسه إلى من يقدر عليه من أرباب الإرشاد ، فإنه يعرف كيفية الزرع من جهة أعمال الشريعة ، ومن جهة أحوال الطريقة إلى أن ينبت نباتا حسنا بإذن اللّه تعالى ، كما قال تعالى :وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ[ الأعراف : 58 ] .
وذلك أن أكثر السّلّاك قاصرون عن الاستفادة الروحانية ، أو السرية من غير توسّط واسطة ، ونعني بالاستفادة الروحانية : أن يأخذ بالروح من روح بقدر الطاقة ، وبالسرية : أن يأخذ بالسر من اللّه تعالى . -