ومهما ترى كلّ المقامات تجتلي * عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا
وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب * فلا صورة تجلى ولا طرفة تحنى
فيا طالب هذا المقام العالي جد في السير واحذر من التواني ، كما قال رضي الله عنه :
20 - من تعلّق بوعد الأماني لم يفارق التّواني .
بيّن رضي الله عنه إن الطريق إنما هو عمل واجتهاد ، وترك تعلّق بوعود الأماني ، وسلوك سبيل السداد ، فمن لم تكن له قومة لم تكن له قعدة .
قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] ، فدلّ على أن الهداية من ثمرة المجاهدات ، ومن لازم الخدمة حلّت عليه العنايات .
جاء إنسان إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : أوصني يا رسول اللّه ، فقال له : « قل : آمنت باللّه ، ثم استقم » « 1 » .
فلم يأمره بشيء بعد الإيمان باللّه بغير الاستقامة ؛ لأنها الجامعة لأشتات السعادة ، فمن استقام فقد حاز كل مقام .
فلذلك قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
[ فصلت : 30 : 32 ] .
فانظر يا أخي إلى هذه الكنوز التي أعدّها اللّه لصاحب الاستقامة ، وما بشّره بها من الخيرات التي هي عند العارفين أعظم كرامة .
فلذلك قال في الحكم العطائية : مطلب العارفين من اللّه الصدق في العبوديّة ، والقيام بحقوق الرّبوبيّة « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه النسائي ( 6 / 458 ) ، وأحمد ( 3 / 413 ) .
( 2 ) قال الشيخ ابن عجيبة : المطلب مصدر بمعنى المفعول ، أو اسم مكان أي مطلوب العارفين