تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
فلا تفقد نيّة همّتك يا أخي إلى غيره ، فالكريم لا تتخطّاه آمال الطالبين ، لا ترتحل من كون إلى كون ؛ فتكون كحمار الرحى يسير ، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه ، ولكن ارتحل من الأكوان إلى الكون . وللّه در القائل :
ولا تلتفت في السّير غيرا فكلّما * سوى اللّه غير واتّخذ ذكره حصنا
هامش
الأعمال وسائل كانت ؛ كالوضوء ، والسعي إلى الجمعة ونحوه ذلك ، أو مقاصد ؛ كالصلاة ، واستماع الذكر يوم الجمعة وغير ذلك حتى أن التوحيد من حيث إنه ذكر لساني ، وعمل خارجي لا بد له من النية ، وقال العلماء : ما كان من قبيل الوسائل لا يحتاج إلى النية ، فلو لم ينو عند الوضوء لرفع الحدث ، وإقامة الصلاة ؛ صح وضوءه بخلاف ما كان من قبيل المقاصد ؛ كالصلاة فإنه لا بد من النية ؛ ليكون صحيحا مقبولا . فصحة الصلاة المستصحبة بالنية مستلزمة لصحة الوضوء ، ونيتها سارة لنيته ؛ بمعنى أن نيته الشرط والمشروط نية واحدة . وقال العرفاء : لا بد من استحضار الحق تعالى في مباشرة العمل المشروع فيه مطلقا ؛ فإنه روح ذلك العمل وسره ، فكما أن البدن لا يقوم إلا بالروح ، فكذا العمل لا يقوم إلا بالنية ، واستحضار الحق على أن قد يدخل الرياء في العمل ، فلا بد من النية ؛ ليخلص للّه تعالى . وللعارفين شأن عجيب في باب النية : فإن نيتهم دفعية كلية سارية في مراتب جميع الأعمال ، فليس لهم عمل بلا نية أصلا ، إذ هو ذهول عن الحق ، وكيف يذهل عن الحق من ودّوا حقه ، والذين هم في صلواتهم دائمين ، فدوام الشهود يغنيهم عن استصحاب النية الخاصة في كل خاص على أن الوضوء قد يكون قربة مشروعة مستقلة ، كما دلّ عليه صلى اللّه عليه وسلم : « دم على الطهارة ؛ يوسع عليك الرزق » . فقد يلزم الطهارة في وقت ، والصلاة غير مشروعة فيه ، فعليك بالقربات ، والدرجات ، والصعود إلى المراتب العالية بخلوص النيات . واعلم أن متعلّق نية الخواص : هو الحق تعالى ؛ فهم محسنون متقون مقربون ، ولهم النور التام يوم القيامة . وإن متعلّق نية العوام : هو فضل اللّه ورحمته ، فهم عاملون أبرار مقربون ، ولهم الأجر التام يوم القيامة ، ومقام الأولين : جنة عرضها السماوات والأرض ؛ لاتساعهم وانشراحهم قلبا وصدرا ، ومقر الآخرين : جنات تجري من تحتها الأنهار ؛ لمتابعتهم العلوم أو سألتهم الدموع ، فأين الأجير المحجوب من المحسن المحبوب ؟ فعليك بإعراب المطلوب . وانظر : مرآة الحقائق ( ص 439 ) بتحقيقنا .
شرح الحكم الغوثية — صفحة 113 | أحمد فريد المزيدي / أحمد بن ابراهيم النقشبندي