تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشكول — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
وليس ذلك الا العلم باللّه تعالى ، فإنّ علمك بالطب إنما يحتاج إليه في عالم الأمراض والأسقام ، فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه السقم ولا المرض ممن تداوي بذلك العلم ، وكذلك العلم بالهندسة إنما يحتاج إليه في عالم المساحة فإذا انتقلت تركته في عالمه ومضت النفس ساذجة « 1 » ليس عندها شيء منه ، وكذلك الاشتغال بكل علم تركته النفس عند انتقالها إلى اشتغال الآخرة . فينبغي للعاقل أن لا يأخذ منه الا ما مست إليه الحاجة والضرورة ، وليجتهد في تحصيل ما ينتقل معه حيث انتقل وليس ذلك الا علمان خاصة العلم باللّه ، والعلم بمواطن الآخرة ما يقتضيه مقاماتها حتى يمشي فيها كمشيه في منزله ، فلا ينكر شيئا أصلا ، فلا يكون من الطائفة التي قالت عندما تجلى لها ربها : نعوذ باللّه منك لست ربنا . ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا فلما جاءهم في الصورة التي عرفوها أقروا به فما أعظمها من حسرة ، فينبغي للعاقل الكشف عن هذين العلمين بطريق الرياضة والمجاهدة والخلوة على الطريقة المشروطة . وكنت أريد أن أذكر الخلوة وشروطها ، وما يتجلى فيه على الترتيب شيئا بعد شيء لكن منع مني ذلك الوقت وأعني بالوقت علماء السوء الذين أنكروا ما جهلوا ، وقيدهم التعصب وحب الظهور والرئاسة عن الإذعان للحق والتسليم له إن لم يكن الإيمان به واللّه ولي الكفاية : كان توبة بن الصمة محاسبا لنفسه في أكثر أوقات ليله ونهاره ، فحسب يوما ما مضى من عمره فإذا هو ستون سنة ، فحسب أيامها فكانت إحدى وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم ، فقالت : يا ويلتا ألقى مالك بإحدى وعشرين ألف ذنب ثم صعق صعقة كانت فيها نفسه . قال بوزرجمهر : من لم يكن له أخ يرجع إليه في أموره ، ويبذل نفسه وما له في شدته فلا يعدنّ نفسه من الأحياء . وقال بعض الحكماء : لا تساغ « 2 » مرارة الحياة ، الا بحلاوة الإخوان الثقات . وقال بعضهم : من لقي الصديق الذي يفضي إليه بسره ، فقد لقي السرور بأسره وخرج من عقال لهم بعمره .
هامش
( 1 ) ساذجة : الخالصة . ( 2 ) ساغ : جاز .
الكشكول — صفحة 337 | الشيخ البهائي العاملي / محمد الكرمي