منتصفها ، فإن قطر من طرفيها على السواء أنبأ عن التعادل والا عمل كما عرفت .
هذه كتابة كتبها العارف الواصل الصمداني الشيخ محيي الدين ابن عربي حشره اللّه مع محبيه إلى الإمام فخر الدين الرازي : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى وعلى وليي في اللّه فخر الدين محمد أعلى اللّه همته ، وأفاض عليه بركاته ورحمته ، وبعد ، فإنّ اللّه يقول :
وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ
« 1 » وقد وقفت على بعض تآليفك وما أيدك اللّه به من القوة المتخيلة والفكرة الجيدة ، ومتى تغدت النفس كسب يديها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب ، وتكون ممن أكل من تحته ، والرجل من يأكل من فوقه كما قال اللّه تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
« 2 » وليعلم وليي وفقه اللّه تعالى : أنّ الوراثة الكاملة هي التي تكون في كل الوجوه لا من بعضها ، والعلماء ورثة الأنبياء . فينبغي للعاقل العالم أن يجتهد لأن يكون وارثا من كل الوجوه ، ولا يكون ناقص الهمة ، وقد علم وليي وفقه اللّه تعالى أنّ حسن الطبيعة الانسانية بما تحمله من المعارف الإلهية وقبحها بضد ذلك . فينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها ، فيفوته حظه من ربه وينبغي له أيضا أن يشرح نفسه من سلطان فكره فإنّ الفكر يعلم مأخذه ، والحق المطلوب ليس ذلك والعلم باللّه غير العلم بوجود اللّه ، فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة اللّه من حيث المشاهدة . وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقيه عند هذا من عالم الخيال ، وهي الأنوار المتجسدة الدالة على معان وراءها ، فإنّ الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن ، والقرآن في صورة الحبل ، والدين في صورة القبة . وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلمه مؤنثا كما لا ينبغي أن يأخذ من فقير أصلا ، وكل ما لا كمال له الا بغيره فهو فقير . وهذا حال كل ما سوى اللّه تعالى . فارفع الهمة في أن لا تأخذ علما الا من اللّه سبحانه على الكشف واليقين .
واعلم أنّ أهل الأفكار إذا بلغوا فيه الغاية القصوى أداهم فكرهم إلى حال المقلد المصمم ، فإنّ الأمر أجل وأعظم من أن يقف فيه الفكر ، فما دام الفكر موجودا فمن المحال أن يطمئن العقل ويسكن ، وللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري ولها صفة القبول لما يهبه اللّه تعالى ، فاذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبغي ماسورا في تقييد نظره وكسبه ، وإنه على شبهة في ذلك .
هامش
( 1 ) العصر الآية ( 3 ) .
( 2 ) المائدة الآية ( 70 ) .