يناديان يسمعهما خلق اللّه تعالى من الثقلين أيها الناس هلموا إلى ربكم ، إنّ قلّ ما وكفى خير مما كثر وألهى .
قال بعض العارفين أنّ اللّه تعالى جعل خزائن نعمه عرضة لمؤمليه وجعل مفاتيحها صدق نية راجيه : كتب ابن دريد على دفتره بخطه حسبي من خزائن عطاياه مفتوحة لمؤمليه ، ومن جعل مفاتيحها صحة الطمع فيه وعليه أيضا بخطه :
أفوض ما تضيق به الصدور * إلى من لا تغالبه الأمور
من كلام بعض الحكماء : الراضي بالدون هو من رضي بالدنيا . من أعرض عن خصومة لم يأسف على تركها . لا تتكل على طول الصحبة ، وجدد المودة في كل حين ، فطول الصحبة إذا لم يتعهد درست المودة . العاقل لا يشير على المعجب برأيه . العزفي المجالسة بقلة الكلام وسرعة القيام . ليس لماء الوجه ثمن .
قد يسمع الجاهل ما ذكره أصحاب القلوب من المبالغة والتأكيد في أمر النية وإنّ العمل بدونها لا طائل تحته كما قال سيد البشر : إنما الأعمال بالنيات ، ونية المؤمن خير من عمله ، فيظنّ هذا المسكين أنّ قوله عند تسبيحه أو تدريسه اسبح قربة إلى اللّه أو أدرس قربة إلى اللّه محتضرا معنى هذه الألفاظ على خاطره هو النية ، وهيهات إنما ذلك تحريك لسان وحديث نفس أو فكر وانتقال من خاطر إلى خاطر والنية عن جميع ذلك بمعزل إنما النية انبعاث النفس وانعطافها وميلها وتوجهها إلى فعل ما فيه غرضها وبغيتها إما عاجلا وإما آجلا ، وهذا الانبعاث والميل إذا لم يكن حاصلا لها لم يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد الإرادة المتخيلة ، وما ذلك الا كقول الشبعان أشتهي الطّعام وأميل إليه قاصدا حصول تلك الحالة وكقول الفارغ أعشق فلانا وأحبه وأعظمه بقلبي بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشّيء وميله وتوجهه إليه الا باكتساب أسبابه ، فإنّ النفس إنما تنبعث إلى الفعل الذي يقصده ويميل إليه إجابة للغرض الموافق الملائم لها بحسب اعتقادها وما يغلب عليها من الأحوال فإذا غلبت شهوة النكاح واشتد توقان النفس إليه لا يمكن المواقعة على قصد الولد ، بل لا يمكن الا على نية قضاء الشهوة فحسب وإن قال بلسانه أفعل السنة وأطلب الولد قربة إلى اللّه فخطرا معاني هذه الألفاظ بباله ومحضرا لها في خياله . وأقول من هنا يظهر سر قوله « ص » : نية المؤمن خير من عمله فتبصره العاقل يكفيه الإشارة واللّه ولي التوفيق .
من كلام بعض الحكماء أيسر شيء الدخول في العداوة ، وأضعف شيء الخروج منها . إذا ذكر جليسك عندك أحدا بسوء فاعلم أنك ثانيه . من رفعك فوق قدرك فاتقه .