تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشكول — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
غيري لا حاجة لي فيك قد أبنتك « 1 » ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير وخطرك يسير وأملك حقير آه آه من قلّة الزاد وبعد السّفر ووحشة الطّريق وعظم المورد ، فوكفت دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمه واختنق القوم بالبكاء . ثم قال : كان واللّه أبو الحسن كذلك فكيف كان حبك إياه ؟ قال كحب أم موسى لموسى وأعتذر إلى اللّه من التقصير . قال : كيف صبرك عنه يا ضرار ؟ قال : صبر من ذبح واحدها على صدرها فهي لا ترقئ عبرتها ولا تسكن حرارتها ، ثم قام وخرج وهو باك ، فقال معاوية أما إنكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني عليّ مثل هذا الثناء ، قال بعض الحاضرين الصاحب على قدر الصاحب . من كتاب أنيس العقلاء لا شيء أضرّ بالرّأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطّيرة فمن اعتقد أنّ خوار بقرة أو نعيب غراب يردان قضاء ويدفعان مقدورا فقد جهل . واعلم أنه قلما يخلو من الطّيرة أحد لا سيما من عارضته المقادير في إرادته وصده القضاء عن طلبته ، فهو يرجو واليأس عليه أغلب ويأمل والخوف إليه أقرب ، وإذا عاقه القضاء أو خانه الرجاء جعل الطّيرة عذر خيبته وغفل عن قدرة اللّه ومشيته ، فهو إذا تطير من بعد أحجم من الإقدام ويئس من الظفر وظنّ أنّ القياس فيه مطرد ، وأنّ العثرة فيه مستمرة ، ثم يصير ذلك له عادة فلا ينجح له سعي ولا يتم له قصد ، وأما من ساعدته المقادير ووافقه القضاء فهو قليل الطّيرة لإقدامه ثقة باقباله وتعويلا على سعادته فلا يصده خوف ولا يكفه خور ، ولا يئوب الا ظافرا ولا يعود الا منجحا ، لأنّ الغنم بالاقدام ، والخيبة من الاحجام ، فصارت الطّيرة من سمات الادبار واطراحها من أمارات الإقبال ، فينبغي لمن مني أوبها وبلي أن يصرف عن نفسه وساوس النوكي « 2 » ودعى الخيبة وذرائع الحرمان ، ولا يجعل للشياطين سلطانا في نقض عزائمه ومعارضة خالقه ويعلم أنّ قضاء اللّه تعالى غالب وأنّ رزق العبد له طالب وأنّ الحركة سبب ، فليمض في عزائم واثقا باللّه إن أعطي وراضيا به إن منع ، وليقل إن عارضه في الطير ريب أو خامره فيها وهم ما روي عن رسول اللّه قل من تطير فليقل اللهم لا يأتي بالخيرات الا أنت ولا يدفع السّيئات الا أنت ولا حول ولا قوة الا باللّه . عن سيد البشر صلّى اللّه عليه وآله ما من يوم طلعت فيه شمسه الا وبجنبيها ملكان
هامش
( 1 ) أبنتك من الإبانة ، وطلاق البائن : طلاق لا رجوع فيه . ( 2 ) النوكي : الأحمق .