واستف ترب الأرض كي لا يرى له * عليّ من الطول امرئ متطول
ربما يتغير حسن الخلق والوطاء « 1 » إلى الشراسة والبذاء « 2 » لأسباب عارضة وأمور طارية تجعل اللين خشونة والوطاء غلظة والطلاقة عبوسا ، وهذه الأسباب تنحصر بالاستقراء في سبعة :
الأول الولاية التي تحدث في الأخلاق تغيرا وعلى الخلطاء تنكرا ، إما للوم طبع أو من ضيق صدر ، الثاني العزل .
الثالث الغنى فقد يتغير به أخلاق اللئيم بطرا « 3 » وتسوء طرائقه أشرا قال الشاعر :
لقد كشف الاثراء عنك خلائقا * من اللوم كانت تحت ثوب من الفقر
الرابع الفقر فقد يتغير الخلق به إما أنفة من ذل الاستكانة أو أسفا من فائت الغنى ، ولذلك قال صاحب الشرع صلوات اللّه عليه : كاد الفقر أن يكون كفرا ، وبعضهم يسلي هذه الحالة بالأماني ، قال أبو العتاهية :
حرك مناك إذا * اغتممت فإنهنّ مراوح
وقال آخر
إذا تمنيت بت اللّيل مغتبطا * إنّ المنى رأس أموال المفاليس
الخامس الهموم التي تذهل اللب وتشغل القلب ، فلا يتسع لاحتمال ولا يقوى على صبر .
فقد قال بعض الأدباء : الهم هو الداء المخزون في فؤاد المحزون .
السادس الأمراض التي يتغير به الطبع ، كما يتغير بها الجسم ، فلا يبقى الأخلاق على اعتدال ، ولا يقدر معها على احتمال .
السابع علو السنّ وحدوث الهرم ، فكما يضعف بها الجسد عن احتمال ما كان يطيقه من الأثقال ، كذلك تعجز النفس عن احتمال ما كانت تصبر عليه من مخالفة الوفاق ومضض « 4 » الشقاق .
هامش
( 1 ) الوطاء : سهل ، كريم ، دمث . واستوطأه ووجده وطيأ بين الوطاءة اي على حالة لينة .
( 2 ) البذي كرضي : الفاحش ( بي شرم ) .
( 3 ) البطر : قلة احتمال النعمة ، والدهش والحيرة والطغيان النعمة .
( 4 ) المضض : الألم من الوجع ، الوجع .