فهذه الأمثال التي تحتوي عليها هذه الخزائن لا تتناهى أشخاصها ، فالأمثال من كل يوجد في كل زمان فرد في الدنيا والآخرة دائما أبدا .
والخزائن تعلو أو تسفل ، فأعلاها كرسيه ، وأدناها خزنته الإنكار في البشر ، وما بين هذين خزائن محسوسة ومعقولة ؛ بل كلها عند اللّه فإنّها عين الوجود ، بل كلها هو الكرسي ؛ لأنّه علم اللّه في العالم بالعالم ، فالخزائن منحصرة بانحصار أنواع المعلومات ومرجعها وإن كثرت إلى خزانتين : خزانة العلم باللّه ، وخزانة العلم بالعالم .
وإن شئت قلت : خزانة العلم بالأنفس ، وخزانة العلم بالآفاق .
وقد نبّه تعالى عباده في كتابه العزيز أن عنده خزائن كل شيء ، والخزائن يقتضي الحصر ، والحصر يقتضي التقييد .
ثم بين أنّه ما ينزل شيء منها إلا بقدر معلوم ، وبوقت معلوم ، فقال رضي اللّه عنه : ( فما يخرجه إلا بقدر معلوم ) : أي بوقت معلوم ، فمقدار معلوم في الدنيا بحسب طلب الأعيان ، وقدر ما وهو قدر معلوم له تعالى في الأزل ، إنما قال بحسب طلب الأعيان ؛ إذ لا يقبل منه قابل إلا ما هو عليه في نفسه من الاستعداد ، فيحكم باستعداده على مواهب خالقه ، فلا يعطيه إلا ما يقتضيه طلبه في الدنيا ؛ وإنّما قلنا في الدنيا ؛ لأنّ الشيخ رضي اللّه عنه ذكر في الباب السادس والثلاثين وخمسمائة من « الفتوحات » :
إنّ هذا حكم في الدنيا ، فإذا كان في الآخرة عاد الحكم فيما يحوي عليه هذه الخزائن التي عند اللّه إلى العبد العارف ، الذي يحمل اللّه سعادته ، فيدخل فيها متحكما فيخرج منها ما شاء بغير حساب ، ولا قدر معلوم ؛ بل يحكم ما يختار الوقت .
وهو أنّه يعطي التكوين في الآخرة ، ويكشف له أنّه عين الخزانة التي عند اللّه ، فإنّه عند اللّه ،
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ] .
فكل ما حظر له تكوينه كونه ، فلا يزال في الآخرة خلافا دائما ، ويرتفع عليه التقدير والتحجير .
قال رضي اللّه عنه : ( إنّه لا يخرجه القدر إلا بقدر معلوم ) : أي في وقت معلوم ، أو مقدار