خلقت بني آدم فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويأتون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئا ، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة ، فقال تعالى : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان »
« 1 » رواه ابن عساكر .
اعلم أن للحق في مشاهدة عباده إيّاه نسبتين : نسبة تنزيه ، ونسبة تشبيه فنسبة التنزيه تجليه في :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ، والنسبة الأخرى تجليه في قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« إن تعبد اللّه كأنك تراه »
« 2 » .
وقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« إن اللّه في قبلة المصلي »
« 3 » .
وقوله تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] ذاته .
والأحاديث الواردة لو لم تستصحب بمعانيها الموضوعة لها المفهومة من الاصطلاح ، فما معنى قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
[ إبراهيم : 4 ] ؟ فما وقعت الفائدة بذلك عند المخاطب لها خصوص العموم من الناس ، فإذا تقرّر عندك هاتين النسبتين للحق المشروعتين وأنت المطلوب بالتوجّه بقلبك وبعبادتك إلى هاتين النسبتين ، فلا تعدل عنهما إن كنت ناصحا نفسك ، فإن الإنسان ما جمع الحقائق المذكورة إلا بهاتين النسبتين ، فلمّا توجّهت هاتان النسبتان فخرج بنو آدم لهذا على ثلاث مراتب :
( كامل ) وهو الجامع للنسبتين ، أو ( واقف ) مع دليل عقله ونظره وفكره وهو المنزّه خاصة ، أو ( مشبه ) بما أعطاه اللفظ الوارد ، ولا رابع لهم .
ف ( الاعتدال والكمال ) هو القول بالأمرين والاتصاف بالوجهين ؛ أعني الظهور بحقائق الأسماء الإلهية الوجوبية في حقائق الصفات الكونية على الكشف والعيان ، فلا
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي عاصم في السنة ( 2 / 496 ) .
( 2 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 51 ) .
( 3 ) ذكره ابن قدامة في المغني ( 1 / 264 ) ، والشوكاني في نيل الأوطار ( 2 / 158 ) بنحوه .