منوطا ، وليس كما قالوه .
وهو أيضا كما قالوه بوجه ، وما ذلك إلا أن الجلال والجمال ؛ وصفان للّه تعالى ، والهيبة والأنس ؛ وصفان للإنسان ، فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال ؛ هبت وانقبضت ، وإذا شاهدت الجمال ؛ أنست وانبسطت فجعلوا الجلال للقهر ، والجمال للرحمة ، وحكموا في ذلك بما وجدوه في أنفسهم .
وأريد إن شاء اللّه تعالى أن أبيّن هاتين الحقيقتين على قدر ما يساعدني به في العبارة ، فأقول أولا : إن ( الجدال للّه تعالى ) معنى يرجع إليه ، وهو الذي يمنعنا من المعرفة به تعالى .
و ( الجمال ) معنى يرجع منه إلينا ، وهو الذي أعطانا هذه المعرفة وزنا بها والتنزّلات والمشاهدات والأحوال .
وله فينا أمران : الهيبة والأنس ، وذلك أن لهذا الجمال علوّا ودنوّا ؛ ف ( العلوّ ) يسمّيه جلال الجمال ، وفيه يتكلم العارفون ، وهو الذي يتجلّى لهم ، ويتخيّلون أنهم يتكلمون في الجلال الأوّل الذي ذكرناه ، وهذا جلال الجمال قد اقترن معه منا الأنس .
والجمال الذي هو الدنو قد اقترنت معه منا الهيبة ، فإذا تجلّى لنا جلال الجمال أنسنا ، ولولا ذلك لهلكنا ، فإن الجلال والهيبة لا يبقى لسلطانهما شيء ، فقابل ذلك
هامش
- يصحّ إلا بالمشاكلة والمناسبة ، وليس بين الخلق وربهم مشاكلة ولا مناسبة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ا ه .
ثم قال : إيّاك أن تقول أنك أنست باللّه تعالى عينا ؛ فإن ذلك لا يصحّ ، وقد سمعت مرة هاتفا يقول : ( إذا كان كل شيء خطر ببال عبدي فأنا بخلافه ، فكيف يصح له مناجاتي على الكشف والشهود والأنس بي ) ا ه ( ص 58 ) .
وقد قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به في تعريف الأنس : الأنس هو ظهور علامات تشعر النفس بنيل المراد ، وحقيقته : مد يد الأطماع إلى اقتطاف ثمر المواصلة ، وغايته : تصرف العبد في ملك الرب ؛ اعتمادا على التحقيق بصحة المحبة التي توجب رفع علل المغايرة ا ه .