الجلال منه بالأنس منّا ؛ لتكون في المشاهدة على الاعتدال حتى نفعل ما نرى ، ولا نذهل ، وإذا تجلّى لنا الجمال متنا ؛ فإن الجمال مباسطة الحق لنا ، والجلال عزته عنا ، فيقابل بسطه معنا في جماله بالهيبة ، فإن البسط مع البسط يؤدي إلى سوء الأدب ، وسوء الأدب في الحضرة سبب الطرد والبعد .
ولهذا قال المحققون ممن عرف هذا المعنى وحضره : قف على البساط وإيّاك والانبساط ! فكشف أصحابنا صحيح ، وحكمهم بأن الجلال يقبضهم والجمال يبسطهم غلط ، وإذا كان الكشف صحيحا فلا نبالي ؛ فهذا هو الجلال والجمال كما تعطيه الحقائق ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه .
أو نقول بعكس الأول أنه أوجدنا على هيبة ؛ حتى نرى عظمة الجلال تدركنا الهيبة لما نرى أنفسنا عليها من الافتقاد والبعد عن التفات ما يعطيه مقام العظمة ، ومن هذه الحضرة كانت الألوهية ، فيعلم سرّنا لما فينا من نسبة الباطن ، وجهرنا لما فينا من نسبة الظاهر ، فعظم ذلك في نفس الرائي .
أما الأنس ؛ فلأن السامع إذا أخذ الجلال على العظمة أدركه القنوط عن اللحوق لما يرى في نفسه الافتقار والبعد ، فيزيل اللّه هذا القنوط عن وهمه بظهور الجمال ، فإنّه جميل يحب الجمال ، فجامل ووهب وأعطى وجاد وامتنّ به من جزيل الهبات والمنح ، وآنسه فاستأنس به فأزال اللّه حكم القابض ونسخه بحكم الباسط وظهر بصورة كل شيء إلى عباده في طلب الكرم منهم إلى الظهور بصفة الحاجة وأيّ أنس أكبر من هذا ! فافهم .
والجميل يتبع الجليل ويلازمه ، قال تعالى :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 27 ] .
قال تعالى :
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 78 ] ربّما يجدون في نفوسهم حرجا ، وهيبة من عظمة الجليل ، فإن اللّه أحرجهم بإقران الجميل والأنس والإكرام بالجلال اعتناءا بهم ؛ فلهذا قارن رضي اللّه عنه بين الجمال والجلال