وأحكامهما ، وقدّم الهيبة وأخرّ الأنس ؛ لأن الاعتبار بالخواتيم ، فافهم .
( وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ) ويسمّى به من الأسماء المتقابلة ، وأوجد فينا مثلها ، وبيّن لنا أن في أرض العالم نجدين ؛ نجد التنزيه ، ونجد التشبيه ؛ وهما عالمان متقابلان في العلوّ ، وإن لكل سرّ في العالم وجهين بحكم القبضين من اليدين ، ولا بد من الدارين ، ولا بد من برزخ بين كل اثنتين .
قال تعالى :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
[ الذاريات : 49 ] لأنه مخلوق عن صفتين إرادة وقول ؛ وهما اللذان شهدهما كلّ مخلوق من الحقّ ، فإن العالم نتيجة ، والنتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين وهذا هو التناسل ؛ كوجود الابن بين الأبوين على صورة الأبوين ، فافهم .
وهذا كله حتميّ بنا لا بأمر خارج عنا ؛ لأن الشيء لا يعرف إلا بما به الاشتراك ؛ إلا بما به الامتياز ، فافهم .
( فعبّر عن هاتين الصفتين والنسبتين المتقابلتين ) ؛ تقابل تنزيه وتشبيه باليدين ، وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين ؛ صورة العالم ، وصورة الحق ؛ وهما يد الحق إذ بهما يتمّ الوجود وتكمل الأفعال والآثار للربوبية ، كما باليدين يتمكّن الإنسان من الأخذ والمنع ، قال تعالى :
يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[ المائدة : 64 ] : أي في العطاء والمنع .
وفي الحديث :
« الصدقة تقع في يد الرحمن »
« 1 » كناية عن الأخذ والقبول اللتين توجهتا منه ؛ أي : من الحق تعالى .
( على خلق الإنسان الكامل ) .
قال تعالى :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
[ ص : 75 ] وإنما خصّ الإنسان الكامل ؛ لأن غيره ما خلق إلا بقول ( كن فكان ) كالملائكة عليهم السلام .
ورد في الحديث الصحيح
« إنّ الملائكة عليهم السلام قالوا : ربنا خلقتنا وما
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 9 / 109 ) ، وذكره ابن كثير في تفسيره ( 3 / 225 ) .