نشأة الوجود ، فالعالم للحق ؛ كالجسم للروح فلا يعرف الحق إلا من العالم كما لا تعرف الروح إلا من الجسم .
فإنّا لما نظرنا فيه ، ورأينا صورته مع بقائها ؛ تزول عنها أحكام كنّا نشاهدها من الجسم وصورته من إدراك المحسوسات والمعاني ، فعلمنا أن وراء هذا الظاهر معنى آخر هو الذي أعطى أحكام الإدراكات معرفتنا غيبنا بشهادتنا ، وسمّيناه روحا لهذا الجسم الظاهر ، وكذلك ما علمنا أن لنا أمرا يحرّك أرواحنا كما كانت الأرواح تحرّك أجسامنا ؛ وهو روح الأرواح يحكم فيها بما يشاء حتى نظرنا في أنفسنا ، وعرفنا منها وبها ربّنا .
وبهذا أخبر الوحي النبوي :
« من عرف نفسه فقد عرف ربّه »
« 1 » .
هامش
- الآدمية الإنسانية منها ، ولا خروج لها عنها ، ولهذا أمر اللّه تبارك وتعالى نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يقول :
قل : إنما أنا بشر مثلكم فامتثل أمر ربه عزّ وجل وقال :قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ[ فصلت : 6 ] كما أمر ، قال صلى اللّه عليه وسلم ولم يقل :( إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ،فهو مأمور ببلاغ ما ينزل إليه من ربّه كما أنزل ، من غير زيادة ولا نقصان ، قال اللّه تبارك وتعالى :يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[ المائدة : 67 ] .
فأجسام الأصفياء والمرسلين والأنبياء والصديقين والصالحين نورانية ، ونفوس الأشقياء وأرواحهم وأجسامهم مظلمة ، فإنها هابطة في الدركات إلى أسفل سافلين ، عكس نفوس السعداء ؛ فإنها عارجة إلى عليين ، فالطبيعة أثر الترابية ، والبشرية أثر الطبيعة ، فهي سماء الطبيعة ، ولها النشور من الحشر بالخروج إلى فضاء البسط ، فالحشر صفة قبض ، والنشر صفة بسط ، واللّه يقبض ويبسط ، فالنفوس بالتزكية تخرج من حشرها إلى نشرها البسطي النوري ، والنفس الشقية ترد على عقبها ، فتدس من نشرها ، وتحشر في عوالم طبيعتها . قال اللّه تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها[ الشمس : 9 ، 10 ] .
( 1 ) تقدم تخريجه .