فقال :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ البقرة : 31 ] ، يعني : الصور التي تجلّى فيها الحق إن كنتم صادقين في قولكم :
نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
[ البقرة : 31 ] ، كأنه قال لهم : وهل سبّحتموني بهذه الأسماء التي تقتضيها هذه التجلّيات التي أتجلّاها لعبادي ؟ وإن كنتم صادقين في قولكم :
ونقدّس ذواتنا عن الجهل بك ، فهل قدّستم ذواتكم لنا من جهلكم بهذه التجلّيات وما لها من الأسماء التي ينبغي أن تسبّحوني بها ؟ .
فقامت عليهم الحجة في ادّعائهم الإلهيّة ، فقالت بعد العلم :
لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
[ البقرة : 32 ] ، واعترفت بالكمال الذي غاب عنها هذا .
وقد قال تعالى لها : إنه خليفة ، فكيف بها لو لم يقل لها ذلك ، فلم يكن ذلك إلا لبطونه على الملائكة .
( فتحفظ ، فقد وعظك اللّه بغيرك ) من أكبر العناية أن يعظك بغيرك ، أن السعيد من وعظ بغيره وذلك لرتبة المحبوبيّة وكمال السعادة .
( وانظر من أين أتى على من أتي عليه ) مبني للمفعول ، يقال : أتاه ، وأتى به وأتي عليه ، وهي لا تستعمل مجهولا إلا في المكاره .
( فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذه الخليقة ) : أي ما وقفت مع اقتضاء حقيقة هذه الخليقة ؛ لعدم علمها بها .
( ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق تعالى من العباد الذاتية ) وهي الانقياد الذاتي .
حيث قال تعالى لهم :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 30 ] .
فكان ينبغي لها السمع والطاعة ، فالتبست عليها صورة الإخبار بصورة الشهوة ، فما وفقت على حد الإطاعة والإنصات ، والانقياد حتى قالت ما قالت .
فإنه ( ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته ) تعريفا ، أو تجليا والمعرفة الإلهيّة