قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » في أصل أسئلة الترمذي : أمّا ختم الولاية المحمّديّة فهي لرجل من العرب من أكرمها أصلا ونسبا ، وهو في زماننا اليوم موجود ، عرفت به سنة خمس وتسعين وخمسمائة ، ورأيت العلامة التي قد أخفاها الحق سبحانه فيه في عيون عباده ، وكشفها لي بمدينة « فاس » حتى رأيت خاتم الولاية النبوّة المطلقة لا يعلمه كثير من الناس ، وقد ابتلاه اللّه بأهل الإنكار عليه فيما يتحقق به من الحق تعالى في سرّه من العلم به ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه .
وما رأيت بتصريحه بهذا المعنى لنفسه أصلا إلا في مواضع قليلة منها في بيت في الباب الثالث والأربعين من « الفتوحات » فإنه رضي اللّه عنه قال :
أنا ختم الولاية دون شك * كورث الهاشمي مع المسيح
وفي محل من « الفتوحات » قال رضي اللّه عنه يشير إلى مقام الخاتمي : خصّني اللّه بخاتمة أمر لم يخطر لي ببال ، فشكرت اللّه بالفجر عن شكره مع توفيقي في الشكر حقه ، فافهم ، انتهى كلامه .
فإن قيل : بأي صفة استحقّ بها أن يكون خاتما للولاية المحمدية ، قلنا : بتمام مكارم الأخلاق مع اللّه ، إنما قلنا : مع اللّه ؛ لأن أغراض الخلق مختلفة ، ولم يمكن تعميم موافقة العالم بالجميل فنظر نظر الحكيم ، فلم يجد صاحبا مثل الحق ، ولا صحبة أحسن من صحبته .
ورأى أن السعادة في معاملته ، فنظر إليه فرأى أنه شرع أحكاما ، وحدّ حدودا فوقف عندها ، فما صرف الأخلاق إلا مع سيده ، فلما كان بهذه المثابة قيل فيه ما قيل في خاتم النبوة :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] .
قال رضي اللّه عنه في الباب الرابع والثلاثين وخمسمائة من « الفتوحات » : إن هذه الآية تليت علينا تلاوة تنزّل إلهي من أول السورة إلى قوله :
عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
[ القلم : 13 ] انتهى كلامه .
ومكارم الأخلاق معلومة عقلا ، وعرفا ، والتصرف فيها وبها معلوم شرعا ، فمن اتّصف بها على الوجه المشروع .