قالوا : الخلافة العامة والعزّة التامة ، حتى قيل فيهم :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقين : 8 ] .
مع أن العزّة للّه ، فإن عزّتهم عزة الحق من مقام وحدة الوجود للّه جميعا ، فافهم الإشارة : أي إلى أنهم عين الحق .
يستفاد من مجموع الآيتين ، فإن كنت من أهلها أقل من هذا يكفيك ، وإن لم تكن من أهلها ، فكل الموجود ولو كان لسانا ما يكفيك ، فافهم .
وإنما وقع الغلط من استعجالهم بهذا القول من قبل أن يعلموا حكمة اللّه تعالى فيه ، وما حملهم على ذلك إلا الغيرة التي فطرت عليها في جناب اللّه سبحانه ويحتمل أن يراد من النشأة لنشأتها : أي أنها قالت : من حيث نشأتها ومقتضائها ؛ لأنها طبيعية :
أي مخلوقة من الطينة .
ولولا أن الملأ الأعلى له جزء من طبيعة ، ويدخل من حيث هيكلها النوريّة المادية التشاجر ، والخصام لما اختصمت ، فإن الخصام من التنافر ، والتنافر من التركيب ، فإذا تجرّد لا خصام ، ولا نزاع .
قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : لا بد في نشأتها من المنازعة ، ولا سيما المولد من الإمكان فإنها مولدة من مولد ، فلو وقفوا مع روحانيتهم وتجرّدهم ، فلم يقولوا ما قالوا ؛ بل يقولون : ذلك إليك تفعل ما تريد ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه .
وذلك لأن أول جسم خلقه اللّه تعالى الأرواح المهيمة ومنهم : العقل الأول ، وأمّا النفس الكل التي هي اللوح المحفوظ ، فهي بواسطة العقل ، فكل ملك خلق بعد هؤلاء ، فداخلون تحت حكم الطبيعة ، فهم من جنس أفلاكها التي خلقوا منها ، وهم عمارها إلى أن ينتهي إلى ملائكة خلقت من العناصر إلى أن ينتهي إلى ما خلقت من أعمال العباد وأنفاسهم .
قال تعالى :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ البقرة : 31 ] ، وهذه الأداة لا تكون إلا من الأعلى إلى الأدنى .