مزاحمة ، ويتركون التصرف للحق في خلقه ، فإن ظهر شيء فهو لا عن قصد منهم ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم يرقّيهم ، ويمدهم بالتميز بين الخواطر المذمومة والمحمودة حتى لا تتعلق هممهم بدون الحق ، ويرقّيهم إلى طلب الأنفس بالمقام الأقدس ، ويرغبهم في اللّه لا فيما عند اللّه ، فإذا فتحت العين بذلك المراد على فضاء الإطلاق ، وشهود أحديّة المتصرّف والمتصرّف فيه فلا يرى الغير ، فعلى من يرسل الهمّة ، فلهذا يرى العارف التام المعرفة بغاية العجز والفقر والضعف .
قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : إن بعض الأبدال أرسل إلى أبي مدين قدّس سرّه وهو يسأل لأي شيء لا يعتاص علينا ، وأنت تعتاص عليك الأشياء ؟ ونحن راغبون في مقامك ، وأنت غير راغب في مقامنا ، انتهى كلامه .
أما ترى صلى اللّه عليه وسلم كيف أمر بقول :
« لا أدري ما يفعل بي ولا بكم »
« 1 » .
وهو قائل :
« بإني علمت علم الأولين والآخرين »
« 2 » فكان الماضي والمستقبل في الآن ، فلو لا حضور المعلومات له في حضرة الآن لما وصف بالعلم بها في حضرة الآن ، ومع هذا يتأدّب ، ويقول :
« لا أدري ما يفعل بي ولا بكم »
. أمّا قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« كن أبا ذر »
« 3 » ليس من مقام الهمّة بل هذه كلمة حضرة مختصّة بالإلهيين إذا أراد اللّه شيئا أن يقول له كن فيكون ، أو نقول : إن إمداد الهمم للترقّي إلى ما لا يستقبل عقول الأمة بإدراكه دون التعريف الإلهي من طريق الكشف المحقق والوحي ؛ لتسموا همم النفوس إلى طلبه ، وتهتم في تحصيله من مظنّته وتحصيل معرفة كيفيّة التوجّه إلى الحق بالقلوب والقوالب أيضا من حيث تبعيتها لأحكام القلوب من خزائن الجود والكرم .
قال رضي اللّه عنه في « مواقع النجوم » : الجود عطاء بغير سؤال ، والكرم عطاء بسؤال بطيبة النفس .
هامش
( 1 ) وانظر : تفسير ابن كثير ( 4 / 156 ) .
( 2 ) رواه البيهقي في الشعب ( 2 / 332 ) ، والطبراني في الكبير ( 9 / 136 ) بنحوه .
( 3 ) تقدّم تخريجه .