وهو أحدية الصراط المستقيم المحمّدي ، فإنه جامع الطرق كلها مع كثرتها ، وله أحدية تستهلك فيها الطرق كلها ؛ لأن شرعته صلى اللّه عليه وسلم عامة تتضمن جميع الشرائع ، بل شرعه عين جميع ما تقدّم من الشرائع بالزمان .
قال تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى
[ الشورى : 13 ] .
وذكر الأنبياء في آية أخرى ، وقال :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] وهو الصراط الجامع إقامة الدين ، وأن لا يتفرّق فيه ، وما قال وبهم اقتده ؛ لأن الصراط له صلى اللّه عليه وسلم مساو لجميع الأنبياء الذين ذكرهم اللّه عليهم السلام ، فإن لكل نبيّ شرعة ، ومنها جاء كما ذكر فهو سبحانه نصب الشرائع ، وأوضح المناهج وذلك كله فيه صلى اللّه عليه وسلم وفي شرعه :
وليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد
ومن هذا المقام قوله سبحانه :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ النحل : 120 ] .
( من المقام الأقدم ) : أي أقدم من القديم ، وهو أحديّة الذات التي هي منبع فيضان الفيض الأقدس على الأعيان الثابتة .
وإنما قال رضي اللّه عنه : من المقام الأقدم ؛ لأن أحدية الذات أقدم من أحدية الأسماء المسمّاة بالواحديّة القديمة التي هي مرتبة الألوهية ، فافهم .
( وإن اختلفت الملل والنّحل لاختلاف الأمم ) قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
[ هود : 118 ] فما زلنا من الخلاف ؛ لأنهم : أي أهل التحقيق قد خالفوا المختلفين ، ولذلك خلقهم ، فما تعدّى كل خلق ما خلق له ، فالكل طائع في عين الخلاف .