بتعدد المنن الإلهية ، فإذا كان هو عين المنّة فأنت الخزانة ، فالعالم خزائن المنن الإلهية ، ففيك اختزنت منّته تعالى ، بل أنت الخازن ، وأنت الخزانة ، وأنت ما يختزن فيها فلا يجمعهما إلا أنت فمنك إليك ، فافهم فليس الرجل من تحقّق بربّه ، وإنما الرجل من تحقّق بعينه .
قال رضي اللّه عنه : وما فاز بهذه الدرجة ذوقا إلا نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ، وكشفا إلا الرسل عليهم السلام ، وراسخوا هذه الأمة المحمّدية الذين هم ورثته ومن سواهم ، فلا قدم لهم في هذا الأمر ، فرفع بعضهم فوق بعض درجات اختصاصا ، ولا يصلح التكسّب بها ؛ لأنها لا أثر لها في الكون بل هي لرفيع الدرجات ذي العرش ، وإنما هي إعدادات قابليّات بأنفسها لتجلّيات إلهيات على عددها للذين هم درجات عند ربهم .
فقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« من تخلّق بواحد منها »
« 1 » كما سبق في لفظ الحديث ، وسبق الكلام باعتباره .
أراد صلى اللّه عليه وسلم من قام به ، وظهر فيه آثار تلك الأخلاق ، فافهم .
وأمّا الخزائن على عدد أصناف الموجودات ، واعتبار أشخاصها فغير متناهية ، وما سمّيت خزائن إلا باعتبار ما يختزن فيها من الأخلاق المخزونة ، ولكن كل ما يدخل منه في الوجود منتاه ، وأمّا من حيث الأنواع والأمهات فمتناهية الأصول فافهم ، وأمّا الخزائن باعتبار ما تحوي ، فثلث خزانة تحتوي على ما تقتضيه الذوات من حيث ما هي ذوات ، وخزانة تحوي على ما تقتضيه النّسب الموجبة للأسماء من حيث أنها أفعال لا من حيث المفعولات ولا الانفعلات ولا الفاعلات .
وكل خزانة من هذه الخزائن تنفتح إلى خزائن ، وتلك الخزائن إلى خزائن أخرى وهلمّ جرّا ، فهي تدخل تحت الكم بوجه ولا تدخل بوجه آخر .
فالحاصل أنه كل ما دخل منها في الوجود حصره الكم ، فافهم .
هامش
( 1 ) تقدّم تخريجه .