فإذا انكشف للعالم المكاشف خزائن الأعيان لا يخشى من الإنفاق ، أما ترى إشارة جوامع الكلم في خطاب المؤمنين وهو قوله سبحانه :
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
[ الإسراء : 100 ] .
الممسوك عند العالم بالأعيان الثابتة ، وعارفها هو خشية الإنفاق : أي لا تخشون النفاد والقلة لا خزائن الرحمة ، فإنه ينفق بلا خشية إملاق ؛ لعلمه أن المخزون ينفد وما عند اللّه باق .
ومن هذا المقام ما ورد في الخبر عن بلال رضي اللّه عنه أو عن غيره من الصحابة أنه قال له صلى اللّه عليه وسلم :
« أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا ، فتبسّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : بهذا أمرت »
« 1 » ذكره القاضي عياض في « الشفاء » فافهم بالقيل الأقوم : أي الأبين المتوسط بين إفراط التنزيه وتفريط التشبيه .
قال رضي اللّه عنه : لو أتى نوح عليه السلام ما أتى به النبي صلى اللّه عليه وسلم لأتته قومه ؛ لأنه عليه السلام جادلهم بالتي هي أحسن بالقول الأسدّ الأقوم وهو قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] .
فإنه جمع التنزيه والتشبيه في آية واحدة ، بل في نصفها هذا من جوامع الكلم وفصل الخطاب جمع الأضداد ، وقطع الخصومة والعناد بخلاف نوح عليه السلام ، فإن دعوته تنزيه بحت فما قبل من الأمة إلا قليل ، وقد انقطع بعده بخلاف المحمديين فافهم .
في الزيادة إلى نزول عيسى عليه السلام بل إلى يوم الدين فافهم ، وذلك من اعتدالهم وكونهم وسطا : أي لا إفراط فيهم ولا تفريط .
قال اللّه تعالى :
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] .
سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم جمع اللّه سبحانه لاسمه الأشرف بين حروف الاتصال
هامش
( 1 ) رواه الضياء في الأحاديث المختارة ( 1 / 181 ) .