وقال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : الجود من الحق امتناني ذاتي ، والجود من الأعيان ذاتي فهذا الفرق بين الجودين ، وهذا معنى قول من قال في الجود : إنه العطاء قبل السؤال ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه .
والخزائن ما سمّيت خزائن إلا باعتبار ما يختزن فيها من نفائس الجواهر والأموال وهي نفائس مكارم الأخلاق والأحوال ، ومن هذه الأخلاق خلق الجمع الدال على الفرق ، والفرق الدّال على الجمع ، وخلق الجمع بينهما ، وهو خلق جمع الجمع ، وهو من أكبر الأخلاق ، وأعلاها ، وأسناها .
وبهذا خوطب صلى اللّه عليه وسلم :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] وهو الخلق النور المستور ، وهذا من أعزّ المعارف إذ لا يمكن أن يكون النور مستورا لذاته ، فإنه لذاته يخرق الحجب ، ويهتك الأستار ، فافهم .
وأمّا أصول هذه النفائس فمتناهية ، وهي الأخلاق التي منحت عطاء وجودا وكرما ، وهي ثلاثمائة .
كما ورد في الحديث الصحيح :
« إن للّه تعالى ثلاثمائة خلق من تخلّق بواحد منها دخل الجنة « 1 » »
ذكره رضي اللّه عنه في « الفتوحات » .
وهذه الأخلاق خارجة عن الكسب ، روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
« إنما هذه الأخلاق بيد اللّه فمن شاء أن يمنحه اللّه خلقا حسنا فعل »
« 2 » ذكره الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي المنهال ، ذكره في جمع الجوامع .
فلهذا قال رضي اللّه عنه : ( من خزائن الجود والكرم ) : أي من الخزائن التي ملئت من الجود والكرم ، وهي خزائن المنن فلا يخرج إلا بالجود والكرم بسؤال ، وبغير سؤال فلمّا كانت المنن كثيرة متعددة طلبت عين كل منّة منها خزانة ، فلهذا تعددت الخزائن
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الأوسط ( 7 / 215 ) ، والحكيم الترمذي ( 1 / 350 ) ، والديلمي في الفردوس ( 5 / 451 ) ، والدارقطني في العلل ( 2 / 38 ) .
( 2 ) رواه البيهقي في الشعب ( 7 / 94 ) ، وابن معمر في جامعه ( 11 / 145 ) .