شرح
وقد بلغ تحمس بعضهم للعقل إلى درجة القول بأن العقل ضروري للسماع وأنه لا غناء لأحدهما عن الآخر .
ويحدثنا الغزالي فيقول : « . . . فلا غنى بالعقل عن السماع ( الشرع ) ، ولا غنى بالسماع عن العقل ، فالداعى إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل ، والمكتفى بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور ، فإياك أن تكون من أحد الفريقين وكن جامعا بين الأصلين » .
فالعقل السليم في نظر الإمام الغزالي يشبه العين السليمة من العيوب ، في حين أن الشرع يشبه الشمس التي يغمر نورها ، فتصبح رؤيتها ممكنة ، فلا العين وحدها تكفى ، ولا وجود للألوان إلا إذا رأتها الأبصار ، ولذا فإن من يقبل على القرآن دون أن يستخدم عقله في فهمه شبيه بمن يغمض عينيه حين لا يرى هذا الضياء ، أما من ينصرف عن الشرع زاعما أنه يعتمد على العقل وحده فهو يشبه من فسد طبعه ، فلم يستخدم عينه للرؤية في ضياء النهار ، بل أصر عبثا على رؤية الأشياء في ظلام دامس .
( محمود قاسم : دراسات في الفلسفة الإسلامية . القاهرة : دار المعارف ، الطبعة الخامسة ، سنة 1393 ه / 1973 م ، ص : 43 ) .
بل إن كثيرا من الصوفية يرون أن العقل السليم ميزان للحق في كل حال ، وأن أخطاء العقل في كثير من الأحكام لا ترجع إلى طبيعته بل إلى بعض العوامل الخارجية التي تحجب عنه نور الحق ، وترجع هذه الحجب إلى الخيال والوهم .
وإذا كان بعض الصوفية قد غضوا من شأن العقل وهاجموا الفلسفة ، فإن ذلك يرجع إلى ما وقع فيه كثير من الفلاسفة العقليين المتطرفين الذين ضلت عقولهم وأنكروا بعض الحقائق الدينية التي صرح بها القرآن الكريم .