الليل فأخذ اللّه روحه إلى الصباح يكتب اللّه له أجر قيامه الذي نواه .
( فإن قلت ) : قد بلغنا أن لنا جنة برزخية أخرى فما هي تلك الجنة ؟
( فالجواب ) : قد أشار القرآن إلى هذه الجنة ولم يصرح بها وذلك في نحو قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[ محمد : 15 ] . قال الشيخ محيي الدين : وإنما كانت هذه الجنة برزخية لأنها ما هي محسوسة كقوله تعالى :
مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ
[ الطور : 20 ] ولا هي روحانية كقوله تعالى :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
( 55 ) [ القمر : 55 ] فوصف اللّه تعالى الجنان على حسب تفاوت عقول الناس قال : وقد صرح المسيح عليه السلام بما أومأنا إليه من النعيم الروحاني فقال للحواريين حين أوصاهم بوصية وفرغ منها فإذا فعلتم ما أمرتكم به كنتم غدا معي في ملكوت السماء عند ربي وربكم وترون الملائكة حول عرشه تعالى يسبحون بحمده ويقدّسونه وأنتم هناك ملتذون بجميع اللذات من غير أكل ولا شرب انتهى . قال الشيخ : وإنما صرح المسيح بذلك ولم يرمزه كما رمز كتابنا لأن خطابه كان مع قوم قد هذبتهم التوراة ومطالعة كتب الأنبياء وكانوا متمتعين متهيئين لتصورها وقبولها بخلاف نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه اتفق مبعثه في قوم أميين أهل براري وجبال غير مرتاضين بعلوم ولا مقرين ببعث ولا نشور بل ولا عارفين بنعيم ملوك الدنيا فضلا عن معرفتهم بنعيم ملوك الآخرة فلذلك جاء أكثر أوصاف الجنان في كتابهم جسمانية تقريبا لفهم القوم وترغيبا لنفوسهم انتهى .
( فإن قيل ) : فما الحكمة في كونها أنهار الجنة أربعة من غير زيادة ؟
شرح
وجدوا إيمانهم على باب النار ينتظرهم فإذا غمسوا في نهر الحياة الذي على باب الجنة دخلوا الجنة ، فلا يبقى في النار من علم أن اللّه إله واحد جملة واحدة ، قال : ومحل ظهور سلطان الغضب في جهنم إنما هو إذا دخل أهلها إليها ، أما إذا لم يكن فيها أحد فلا ألم فيها في نفسها ولا في نفس ملائكتها بل هي ومن فيها منهم متنعمون متلذذون يسبحون اللّه لا يفترون . قال :
وإنما احتاجت النار إلى جرها بالسلاسل كما ورد لغلبة الرحمة منها على الموحدين فتقول :
أتسلل شيئا فشيئا لعل اللّه تعالى أن يتطاول بالرحمة على عباده كما هو شأن بطانة الخير عند الملك ، فإذا حق الغضب الإلهي على قوم غضبت لغضب الحق كما أنه صلى اللّه عليه وسلم يقول : سحقا سحقا لمن أخذ بهم ذات الشمال من أمته حين يقال له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك بعد أن كان قال : أمتي أمتي أول ما رآهم وهم يسحبون إلى النار . وقال : في موضع آخر إنما امتنعت جهنم من الإتيان بسرعة واحتاجت إلى جرها بالسلاسل للرحمة القائمة بها على من تنتقم منه وذلك لأنها ما فتحت عليها من حين خلقت إلا على مسبح للّه بحمده ، لا نعرف ما هي الأحكام التي استحق بها المكلف النار إلا أن تعلم ذلك بإعلام من اللّه تعالى ، فإذا جيء بها وأمرت بالانتقام من الجبابرة والعصاة جذبت إليها أهلها بالخاصية جذب المغناطيس للحديد ،