لأمور ولذلك سميت دار تكوين لا دار إعدام ونظير ذلك سوق الجنة يدخل المؤمن في أي صورة شاء من صور السوق مع كونه على صورته لا ينكره أحد من أهله ونحن نعلم أن قد لبسنا صورة جديدة تكوينية مع بقائنا على صورتنا فأين العقول والمعقول هنا .
( فإن قيل ) : فهل يحجب أهل الجنة عن شيء منها أم هي كلها مشهودة لهم ؟
( فالجواب ) : أن من خصائص أهل الجنة أنهم لا يغيب عنهم شيء من العالم بل العالم كله على مراتبه مشهود لهم مع كونهم غير متصفين بالنوم كما مر إيضاحه .
( فإن قيل ) : هل يتنعم أهل الجنة بالتمني ؟
( فالجواب ) : نعم يتنعمون بذلك بل هو من أعظم نعيمهم فلا يتوهم أحد منهم فوق نعيمه أو يتمناه إلا حصل ووجد نفسه فيه .
( فإن قيل ) : فما سبب إعطائهم هذا النعيم المقيم والجزاء العظيم الزائد على مدة طاعاتهم في دار الدنيا ؟
( فالجواب ) : السبب في ذلك نيتهم الصالحة التي كانوا عليها في دار الدنيا وذلك أن أحدهم كان يتمنى لو أنه عاش أبد الآبدين لكان مطيعا للّه تعالى لا يشرك به شيئا عكس أهل النار فلما قصرت بالمؤمن العناية الإلهية ولم يستوف ما نواه من دوام الأعمال أعطاه اللّه تعالى نظير هذا التمني في الجنة فيكون له فيها كل ما يتمناه فلحق هذا بأصحاب تلك الأعمال التي كان نواها أبد الآبدين مع راحته في دار الدنيا من التعب كما ورد ذلك فيمن نوى أنه يقوم من
شرح
لطفا بهم ورحمة ، فمن هذه الصفة خلقت النار ولذلك تجبرت على الجبارين وقصمت المتكبرين . قال : واعلم أن عذاب أهل النار إنما هو بما يكون في النار لا بنفس النار إذ النار إنما هي دار سجن أهلها وسكناهم لا غير وإنما عذاب أهلها بما يخلقه اللّه تعالى فيهم من الآلام متى شاء ، فعذابهم حقيقة من اللّه تعالى وهم محل له ، قال : ونضج الجلود في جهنم ليس عن النار حقيقة وإنما هو متولد بين النار وأهلها نشأ من مجاورتهما لأن نفس جمرات النار محرقة بالنار فما هي النار انظر وتأمل . وقال : وما في النار من الزمهرير هو أحد أركان النار لأن الحقائق لا تتبدل وقد خاطب اللّه تعالى النار بقوله :قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ( 69 ) [ الأنبياء : 69 ] فلو لا أن من حقيقتها البرد ما بردت فالنار تقبل البرد كما تقبل الحرارة سواء ، قلت : وهذا المحل يحتاج إلى تأمل وتحرير ، وقد أطال الشيخ الكلام على النار في الباب الحادي والستين والباب الثاني والستين من « الفتوحات » ، واللّه أعلم .
قال : واعلم أن النار لا تحرق من عصاة الموحدين إلا جوارحهم الظاهرة فقط لأن إيمانهم يمنع من تخلصها إلى قلوبهم ، فانظر يا أخي عناية التوحيد بأهله كيف أمات جوارح جسده حتى لا تحس بالنار فهم كالنائم سواء حتى تأتيهم الشفاعة فإذا بعثهم اللّه من تلك النومة