( فالجواب ) : الحكمة في ذلك كما قاله الشيخ في الباب الثامن والعشرين وثلاثمائة أن ما كل مراد مشتهى إذ الإرادة تعلق بإيجاد ما يلتذ به وبما لا يلتذ به وأما الشهوة فإنها خاصة بالملذوذ ولذلك كان السعداء يأخذون الأعمال بالإرادة والقصد ويأخذون النتائج بالشهوة فمن رزق الشهوة في حال العمل فالتذ بالعمل التذاذه بنتيجته فقد عجل له نعيمه ومن رزق الإرادة في حال العمل من غير شهوة فهو صاحب مجاهدة ينال النتيجة بشهوة ولكنها مرتبة دون الأولى .
( فإن قيل ) : لم كانت الشهوات في الآخرة لا تمنع شهود تجليات الحق تعالى ولا يحجب صاحبها كما هو حكم تناول الشهوات في هذه الدار مع أن اللذة بالشهوات في الدار الآخرة أعظم من لذة شهوات الدنيا ؟
( فالجواب ) : إنما كانت شهوات الآخرة لا تحجب عن اللّه تعالى لأن التجلي هناك على الأبصار ، وليست الأبصار بمحل للشهوات بخلاف التجلي في هذه الدار فإنما هو على البصائر والبواطن دون الظواهر ومعلوم أن البواطن هي محل الشهوات ولا تجتمع الشهوات المذمومة والتجلي الإلهي في محل واحد أبدا فلذلك جنح العارفون والزهاد في هذه الدار إلى التقلل من نيل شهوات النفوس في هذه الدار حين رأوها حاجبة لهم عن شهود الأمر على ما هو عليه إذ المانع عن إدراك العلوم والأنوار والتجليات إنما هو كدورات الشهوات والشبهات الهادمة لركن الورع الشرعي في الجوارح مع أن كدورات الشهوات تؤثر في الاستعداد وتورث الحجاب وإن كان المطعم والمشرب والمنكح مثلا حلالا فافهم ذكره في الباب الخامس عشر من
شرح
هو فيه من النعيم تعشقا طبيعيا ذاتيا ولولا ذلك لكانت دار ألم وتنغيص ولم تكن جنة ولا دار نعيم ، غير أن الأعلى له نعيم بما هو فيه في منزلته وعنده نعيم الأدنى . قال : وأدنى الناس منزلة مع أنه ليس هناك أدنى من لا نعيم له إلا بمنزلة خاصة ، وأعلاهم الذي لا أعلى منه من له نعيم بالكل ، فعلم أن كل شخص نعيمه مقصور عليه فما أعجب هذا الحكم ، ثم إذا نزل الناس في الكثيب للرؤية وتجلى الحق تعالى تجليا عاما كان التجلي واحدا من حيث العين وكثيرا من حيث اختلاف الصورة ، فإذا رأوه انصبغوا عن آخرهم بنور ذلك التجلي فمن علمه في كل معتقد شرعي فله كل معتقد من علمه في اعتقاد خاص لم يكن سوى نور صورة ذلك المعتقد .
قال : واعلم أن الخلق في حال الرؤية لا بد أن يفنوا عنهم ، فلم يقع لهم لذة في زمان رؤيتهم فإن اللذة عند أول التجلي حكم سلطانها عليهم فأفنتهم عنها وعن أنفسهم فهم في اللذة في حال فناء لعظيم سلطانها قال : وهذا ذوق غريب لا يعرفه إلا من ذاقه لا يقدر على إنكاره من نفسه . قال : وإذا وقع لأهل الجنة رؤية اللّه عز وجل كان الناس فيها على أقسام : فمنهم من يرى ربه بباصر العين ومنهم من يراه بكلها ، ومنهم من يراه بجميع وجهه ومنهم من يراه بجميع جسده وهذه تكون للأنبياء وكمل ورثتهم بحكم التبع لهم .