كل ليلة فتطلع مضيئة علينا وفي الحديث عن أبي ذر قال قلت يا رسول اللّه أين تذهب الشمس إذا غربت قال تذهب حتى تسجد للّه تعالى تحت العرش فتستأذن فيكسى عليها سبعون حلة من نور العرش ويؤذن لها . الحديث فعلمنا بهذا الحديث وغيره أن للجنة سماوات وأرضا باقيات خالدات أبد الآبدين لا تفنى ولا تبيد ومن توقف فيما قلناه فإنما هو لعكوفه على المألوفات في هذه الدار كما لو قيل لمن ليس في بلادهم زيت إنا رأينا في بلاد شيئا يوضع في شيء اسم أحدهما زيت والآخر فتيلة قطن فينور على الناس طول ليلتهم فإنه يستبعد ذلك أشد البعد ولا يصدقه إلا إن رآه ولكن من رزقه اللّه قوة الإيمان لا يتوقف فيما أخبر اللّه ورسوله أبدا . قال الشيخ أبو طاهر والآية التي أشكلت على الأئمة الماضين دالة على هذا المعنى وهي قوله
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
( 108 ) [ هود : 108 ] يريد أن السعداء يكونون في الجنة خالدين دوام خلود سماوات الجنة وأرضها إلا ما شاء ربك زيادة على المكث الدائم من النعم السنية والألطاف الخفية مما أعده اللّه فيها كما في حديث « في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » قال وأعلى نعيمها الرضا والنظر إلى وجهه الكريم فمثل هذه هي العطايا الجسام المستثناة من نعمة الخلود وتصديق هذا التفسير قوله تعالى في آخر الآية
عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
أي غير مقطوع وأما قوله في صفة أهل النار
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
( 107 ) [ هود : 107 ] فهي دالة أيضا على أن للكفار أرضا وسماوات إذ السماء في اللغة هو كل ما علاك وأظلك والأرض كل ما تحت قدمك فأرض النار الدرك الأسفل وسمواتها أطباق دركاتها طبقا فوق طبق إلى أن ينتهي إلى الصخرة التي فوقها نظير العرش فوق الجنة كما مر واللّه أعلم
شرح
فيضعونه في تلك الأرض والجنة عن يمين العرش والنار من الجانب الأخر ، وقد عمت الهيبة الإلهية قلوب أهل الموقف من إنسان وملك وجان ووحش فلا يتكلمون إلا همسا بإشارة عين وخفي صوت ثم ترفع الحجب بين اللّه وبين عباده وهو كشف الساق ويأمرهم داعي الحق بالسجود المعهود فلا يبقى أحد سجد للّه خالصا إلا سجد ولا سجد رياء اتقاء الآخر على قفاه وبهذه السجدة ترجح ميزان أهل الأعراف لأنها سجدة تكليف فيسعدون ويدخلون الجنة ويشرع الحق تعالى في الفصل والحكم بين عباده فيما كان بينهم ، وأمّا ما كان بينهم وبين اللّه فإن الكرم الإلهي قد أسقطه فلا يؤاخذ اللّه من عباده بذلك ذلك الوقت . فهنيئا لمن لم يشهد مخاصمة بينه وبين أحد من الخلق ولم يقع له ذنب إلا بينه وبين اللّه ولن يقع له ذنب مطلقا ويختلف ذلك باختلاف المشاهد في التوحيد ثم تقع الشفاعة الأولى من محمد صلى اللّه عليه وسلم في كل شافع أن يشفع فيشفع الشافعون ، ويقبل اللّه تعالى من شفاعتهم ما شاء ويرد من شفاعتهم ما شاء وقد بسط اللّه الرحمة في قلوب الشفعاء في ذلك اليوم ومن رد اللّه شفاعته من الشافعين فليس انتقاصا ولا عدم رحمة بالمشفوع فيه وإنما ذلك إظهارا للمنة الإلهية على عباده فيتولى اللّه سعادتهم ورفع الشقاوة عنهم . واعلم أن الشافعين في ذلك اليوم واحد وثلاثة فالواحد أرحم الراحمين والثلاثة