الحقائق ولذلك سميت الحاقة قال تعالى :
الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ
( 2 ) [ الحاقة : 1 - 2 ] قال المفسرون سميت الحاقة لأن فيها حواق الأمور وليس فيها أباطيل ولا أكاذيب بدليل قوله تعالى
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً
( 35 ) [ النبأ : 35 ] وإذا كانت اللذة الخيالية بالتمني والأمنية في الجنة من حيث إن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فذلك يدل على أن اللذة الخيالية فيها معدومة ، قال وهذا القول عندي صحيح إذ اللذات الخيالية أماني والأماني أكاذيب وأباطيل فلا يكون ذلك في الآخرة فإن كل ما يشتهيه أهل الجنة يجدونه في الحال عيانا نقدا فلا يكون لهم أمنية ، التذاذهم يكون بالموجود المشاهد لا بالمفقود المتمني المتخيل فافهم ذلك فإنه من غرائب أمور الآخرة وأما اللذة العقلية فلا خلاف في أنها لذة الأشياء وأقواها وأسرها للنفس وأشهاها وأبسطها للروح وأحلاها اعتبر ذلك بلذة الفهم والعلم فإنك إذا أدركت مسألة كانت تشكل عليك رأيتك تجد في قلبك وفي نفسك لذة لا يعادلها شيء من لذات الدنيا كما قال الإمام أبو حنيفة لو يعلم الملوك ما نحن فيه من لذة العلم لحاربونا عليه بالسيوف وناهيك بلذة الأمر والولاية والأمر والنهي والابتهاج بالأشياء الموافقة للطبع والغرض ولذة الوجدان كما وقع لبعض الأعراب أنه ضاع له بعير فكان يقول إلا من يبشرني بوجدانه وهو له فقالوا له : فما حظك إذن من ذلك فقال لذة الوجدان ومثل ذلك لذة الولد ولذة محادثة الإخوان الصادقين قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه لولا محادثة الإخوان والتهجد عند السحر ما أحببت البقاء في هذه الدار ، وقس على ذلك سائر اللذات العقلية وإن كان فيها تفاوت ولها مراتب فهي لذات غير منكرة في الدنيا فيجب إثباتها في الآخرة لقوله تعالى :
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
[ الإسراء : 21 ] وقوله تعالى
وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ
[ فصلت : 31 ]
شرح
السكنى فيقال له : اخرج إلى دارك فقد كمل بناؤها ، فإذا طلعت روحه حبس في البرزخ حتى يتكامل عدد السكان وتنتهي مددهم فينادي المنادي : اخرجوا جميعا إلى مساكنكم ، فمعنى أعدت على هذا التقرير أي أعدت لهم قبل دخولهم لها لا قبل خلقهم وإيجادهم ما عدا السور المتقدم ويؤيد ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من فعل كذا بنى اللّه له بيتا في الجنة » فعلق وجود ذلك البيت على فعل ذلك الأمر فدل على أنه لم يكن مبنيا قبل ذلك وكذلك يؤيده أيضا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وإنها قيعان وغراسها سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » ونحو ذلك .
( قال ) : وأما ما ورد في الصحيح « أن اللّه عز وجل خلق جنة عدن بيده وشق فيها أنهارها وأدلى فيها ثمارها » فهو صحيح لأن حضرة الحق لا ماضي فيها ولا آتي ولا صباح ولا مساء فهو كقوله تعالى :أَتى أَمْرُ اللَّهِ[ النحل : 1 ] فله تعالى أن يخبر عن حضرته المذكورة بما شاء لأنها لا تتقيد بزمان كالخلق في مصطلحهم في الألفاظ واللّه أعلم . ( قلت ) : ويحتمل أن اللّه تعالى خلق الجنان على ما شاء من الأوصاف التي تسمى بها جنانا من أشجار وأنهار وأتراب 7 ثم أبقى فيها أماكن خالية قابلة لما يبنى فيها ويغرس من تناهي أفعال المكلفين غير ما ينعم اللّه